ربما لا تكون المسافات هي ما يفصلنا حقاً؛ فالمسافة، مهما امتدت، تظل هامشاً خارجياً تقطعه الخطى. أما الغياب الحقيقي، فهو عجز الحاضر عن استعادة من يحب؛ فيبقى الآخر معلقاً بين الذاكرة والوجود، لا نلمسه حاضراً، ولا ننساه غائباً.
أنت بعيد، لكنك مقيم في مكان لا تبلغه المسافات. أجدك في ارتعاشة ذاكرة، وفي صمت عابر، وفي تفصيل صغير يستدعي عمراً كاملاً. كأن الإنسان لا يغادرنا حين يرحل، بل يغير موضع إقامته فينا؛ ينتقل من العالم الذي تراه العين إلى العالم الذي تحفظه الروح.
أحمل طيفك كما يحمل المرء سراً لا يريد له أن يفقد معناه. أستعيد ملامحك لا لأن الذاكرة أمينة، بل لأنها تحاول أن تنتزع مني ومن الزمن حقه في أن تكون له الكلمة الأخيرة. ولهذا نتمسك بالذكرى؛ لا لأنها تعيد من فقدنا، بل لأنها تمنح الغياب معنى أقل قسوة.
كنت أظن الفقد خلوّ الأمكنة، حتى علمت أنه أعمق من ذلك؛ إنه بقاء المكان كما هو، بينما يتغير معنى الأشياء كلها. المقعد العادي يصبح شاهداً، والطريق يتحول إلى ذاكرة، والصمت نفسه يكتسب صوتاً يشبه صوت من غاب.
ومن هنا ينبت السؤال: هل الغياب نقيض الحياة، أم إحدى صورها الخفية؟
نحن لا نحيا إلا بما يتركه الآخرون فينا. بعضهم يغادر أعمارنا دون أن يغادر بنيتنا الداخلية؛ يسكنون في طريقة نظرنا إلى الأشياء، وفي جملة نقولها دون أن نعرف أنها جاءت من زمن بعيد، وفي ابتسامة تستعيد زمناً مضى، وفي حنين يباغتنا دون استئذان.
أبحث عنك في الذاكرة، لا انتظاراتٍ لمعجزة، بل يقيناً بأن الماضي لا يموت؛ إنه يتحول فقط، من أحداث عشناها إلى معانٍ نعيش بها.
أحياناً أشعر أن الشوق ليس رغبة في اللقاء بقدر ما هو احتجاج صامت على عجز الزمن. يرفض القلب أن يعترف بأن ما كان جميلاً صار ماضياً، فيعيد المشهد لا ليغير نهايته، بل ليؤكد أن شيئاً ما حدث فعلاً، وأن أثر الإنسان لا يقاس بعدد الأيام التي أقامها في حياتنا.
الحب، في أعمق صوره، ليس أن يبقى الآخر إلى جوارنا، بل أن يصبح جزءاً من تكويننا. عندها لا نعود نسأل: أين أنت؟ بل: ماذا فعل حضورك بي؟ ماذا تركت في داخلي بعدما أخذت معك جزءاً من العالم الذي أعرفه؟
لا تنتهي بعض العلاقات بالفراق؛ إنها تنتقل من الحياة المشتركة إلى الوجود الداخلي. وأنا، كلما اشتد الغياب، أدرك أنني لا أبحث عنك في الطرقات، بل أبحث عن الأثر الذي تركته فيَّ. فالإنسان أحياناً لا يفقد من أحب، وإنما يفقد النسخة التي كانها قبل أن يعرفه.
والذكرى هي الوطن الأخير للأشياء التي عجز الزمن عن دفنها.
حين أشتاق إليك، لا أرفع عيني إلى السماء بحثاً عن عودة مستحيلة، بل أنصت إلى الجزء الذي بقي منك في الأعماق؛ هناك، حيث لا تخضع الأشياء لقوانين المسافة ولا لأحكام الزمن، ما زلت حاضراً بطريقة لا يفهمها العقل تماماً، لكنها تكفي كي أعرف أن بعض الغياب لا يطفئ الحضور، بل يمنحه أبدية أخرى.