بصراحة، ورغم أن الفلسفة ليست اختصاصي الأكاديمي، فإن الشغف بها دفعني منذ البداية إلى الإبحار في كتبها، وقراءة الكثير من نصوصها الممتدة عبر التاريخ. وما هالني في كثير من المحطات لم يكن عمق الأفكار أو ثقل الأسئلة، بل الجفاف الذي تُقدَّم به بعض الكتابات الفلسفية؛ نصوص صلبة، دقيقة، ومحمّلة بالمفاهيم المجردة، تجعل القارئ أحيانا يشعر أنه أمام عقل يخاطب عقلا مجردا، لا إنسان يخاطب إنسانا بدمه ولحمه وحيرته الوجودية.

والحال أن الفلسفة، في بداياتها، لم تكن مقصورة على الصياغات النظرية المجردة، بل كانت سؤالا حيا يتحرك بين الناس، وطريقة في النظر إلى الحياة، ودهشة أولى تتشكل في الحوار والمأساة والرسائل والأدب. ثم تطورت الكتابة الفلسفية عبر العصور، وتشعبت مناهجها وأشكالها، وكان لهذا التطور فضل كبير في بناء المفاهيم وتدقيقها وإقامة الحجج حولها. غير أن هذا المسار، في بعض أشكاله، جعل اللغة الفلسفية أكثر تخصصا وتجريدا، وأبعد أحيانا عن التجربة الإنسانية المباشرة التي انطلقت منها أسئلتها الأولى.

ومن هنا ولدت لدي الفكرة: لماذا لا نكتب الفلسفة أيضا بطريقة تجعلها قابلة للعيش، لا للقراءة وحدها؟ لماذا لا تخرج الفكرة الفلسفية، من دون أن تتخلى عن صرامتها، من حدود الصياغة المفهومية وحدها، لتتحول إلى قصة، أو حوار، أو مانفستو، أو مشهد إنساني مكثف، أو نقش يحفر في جدار الوعي، ويحمل في داخله سؤالا يتجاوز حدوده الظاهرة؟

ليس المقصود من هذا المسعى تبسيط الفلسفة حتى تفقد عمقها وصرامتها، ولا تحويلها إلى أدب مزخرف يخفي فراغ الفكرة، كما أنه ليس بديلا عن التحليل الفلسفي والحجاج العقلي؛ فلكل منهما مجاله ووظيفته. إنما المقصود هو تجسيد الفكرة؛ أن نعطي للمفهوم جسدا، وللسؤال نبضا، وللموقف الفلسفي حياة يمكن للقارئ أن يراها ويشعر بثقلها قبل أن يبدأ في تفكيكها ذهنيا.

وهذا بالضبط ما حاولت أن أفعله في تجربتي مع «نقوش أبدية». لم أتعامل مع الفلسفة فيه بوصفها مجموعة من المفاهيم التي ينبغي شرحها، بل حاولت أن أجعلها تتجسد في الإنسان نفسه: في خوفه، ووهمه، وانكساره، ورغبته في التحرر، وفي صراعه مع الحقيقة والسلطة والذات والوجود. لذلك جاءت بعض النصوص في هيئة نقش أو مانيفستو أو حوار، مثل «نقش الاسترداد: مانيفستو الخروج من الوهم» و**«أوركيسترا الانكشاف: حوار في فجوة الوجود»**؛ فالفكرة هنا لا تُلقى على القارئ من الخارج، بل تُوضع أمامه في صورة تجربة ومواجهة، بحيث يصبح السؤال شيئا يُعاش، لا مجرد مفهوم يُعرَّف.

فقد تختبئ فكرة وجودية شديدة العمق في حكاية قصيرة، أو في اعتراف إنساني خاطف، أو في صراع داخلي، أو في لحظة انكشاف، فتصل إلى الوجدان من طريق مختلف عن طريق المفهوم المجرد والتحليل المباشر. ليست المسألة إذن في أن يحل الأدب محل الفلسفة، بل في أن يصبح الأدب أحد الأوعية التي تستطيع الفكرة الفلسفية أن تتنفس من خلالها.

من هنا حاولت أن أكتب الفلسفة كما أشعر بها وأحياها: أقرب إلى الإنسان، إلى خوفه وحيرته وتناقضاته وأسئلته التي لا تجد دائما جوابا نهائيا. أبحث عن كتابة تعيد للفكر شرارة الدهشة الأولى؛ كتابة لا تقدم يقينيات مريحة أو إجابات مسبقة الصنع، بل تترك في الوعي سؤالا مفتوحا، سؤالا قد يواصل ملاحقة القارئ وإقلاقه حتى بعد أن يطوي الصفحة.

وربما هنا بالضبط تبدأ الكتابة التي أبحث عنها: أن يفكر القارئ دون أن يشعر أنه يتلقى درسا في الفلسفة، وأن يعيش السؤال قبل أن يبحث عن تعريفه، وأن يخرج من النص وفي داخله شيء لم يعد كما كان.

فالفلسفة حين تستعيد إنسانها، لا تفقد صرامتها وعمقها؛ بل تستعيد نبضها، وتتحول من مجرد معرفة نطالعها إلى تجربة حية نحياها.