أزمة النقد الذي يخشى التجديد ويقدّس القوالب –
ما الذي يجعل الأكاديمية السويدية تحتفي بالكاتبة الكندية آن كارسون وتمنحها جائزة نوبل للاداب 2026 تقديراً للجرأة التي جعلتها تتجاوز الحدود الأجناسية وابتكار أشكال أدبية جديدة.. بينما لا يزال نُقادنا العرب يتعاملون مع كل خروج عن القوالب الموروثة بوصفه انحرافاً عن شروط الكتابة، أو ربما مهزلة أدبية ويستقبلون التجارب المغايرة بمحاكمات نقدية تنتهي غالباً إلى إدانة النص لأنه لم يشبه ما اعتادوا قراءته؟ إن المفارقة هنا تتجاوز اختلاف الذائقة الأدبية.. لتكشف عن أزمة عميقة في مفهوم النقد ذاته، حين تتحول المعرفة من أداة لفهم الإبداع إلى سلطة تمارس الوصاية عليه
لقد أدركت واقتنعت التجارب الأدبية الكبرى أن التجديد لا يولد من الطاعة الجمالية، وأن تاريخ الأدب لم تصنعه النصوص التي اكتفت بتكرار النماذج السابقة وركعت أمام العادة وعبدت التقليد ، وإنما تشكل عبر مغامرات كتابية تجرأت على مساءلة المفاهيم المستقرة وإعادة بناء العلاقة بين اللغة والخيال والشكل الفني- ولعل تجربة آن كارسون تقدم نموذجاً لهذا الوعي، فقد وجدت في تداخل الشعر والسرد والفلسفة والتراث الكلاسيكي مجالاً لتأسيس خصوصيتها الأدبية وتكون منظومتها.. وهو ما يضعنا بوجه علامات !!! كبيرة ويدفعنا إلى التساؤل عن طبيعة العقل النقدي الذي لا يستطيع استقبال النص إلا بعد إخضاعه لقائمة من الشروط الجاهزة.. وكأن الإبداع مطالب بالحصول على ترخيص من الناقد قبل أن يشرع في اكتشاف إمكاناته
إن أخطر ما يواجه الأدب العربي اليوم ليس ضعف بعض التجارب الإبداعية، فذلك أمر طبيعي في كل حركة أدبية، وإنما حضور عقلية نقدية تتعامل مع الأجناس بكونها قوانين نهائية، وتخلط بين معرفة النظريات وامتلاك الحقيقة الجمالية.. حتى يصبح الناقد حارساً لذاكرة الأشكال عوض أن يكون قارئاً لتحولاتها ومكتشفاً للتجارب- وحين يكتب الروائي خارج الحبكة التقليدية أو تتحول اللغة إلى مركز الفعل السردي أو تتجسد الأفكار والزمان والذاكرة في شخصيات غير مألوفة، نجد من يسارع إلى نفي الصفة الروائية عن العمل قبل محاولة فهم منطقه الفني الداخلي، وكأن الرواية توقفت عن التطور عند التعريف الذي حفظه الناقد ذات يوم
وليس المقصود أن كل تمرد إبداع ناجح، أو أن التجريب يمنح النص حصانة ضد النقد، فالمغامرة الفنية نفسها تحتاج إلى مساءلة صارمة تكشف ضرورتها الجمالية ومدى قدرتها على إنتاج المعنى.. غير أن الفارق شاسع بين نقد يختبر مشروعية التجربة من داخل بنائها الفني، ونقد يعاقبها لأنها خالفت النموذج الذي يؤمن به. وهنا تحديداً يظهر أحد أسباب الركود، حين تستبدل القراءة بالاستهجان، ويتحول النقد إلى جهاز لإعادة إنتاج المألوف، فتُحاصر الاحتمالات الجديدة قبل أن تتاح لها فرصة إثبات قيمتها
إن فوز آن كارسون بنوبل يضع أمام ثقافتنا سؤالاً محرجا يتجاوز اسم الكاتبة والجائزة- كم تجربة إبداعية عربية جرى إجهاضها لأنها سبقت وعي قارئها الناقد.. وكم مشروع أدبي حوصر لأن أصحابه رفضوا الكتابة تحت وصاية القالب؟
لعل مأساة بعض النقد العربي أنه ما زال يبحث في النص الجديد عن الأدب الذي يعرفه، وحين لا يجده يعلن غياب الأدب نفسه، دون أن ينتبه إلى احتمال أكثر إزعاجا، وهو أن النص قد تقدم خطوة إلى الأمام بينما بقي الناقد واقفاً عند حدود معرفته القديمة.. وعندما يصبح العجز عن فهم التحول معياراً للحكم عليه.. فإننا لا نكون أمام أزمة إبداع بقدر ما نكون أمام نقد يساهم في صناعة الركود الذي يدعي محاربته
فكم يبدو المشهد مأساوياً حين يصبح الذين يُفترض أن يفتحوا للأدب أبواب المستقبل هم أنفسهم من يقفون على أبوابه لمنع دخوله!