كلما تأملت علاقتنا باللغة، ازداد اقتناعي بأننا كثيرًا ما ننشغل بما تقوله الكلمات في ظاهرها، ونغفل عمّا تفتحه من أسئلة في أعماقها. نحتفي بسلامة العبارة، ونتشبث بقداسة اللفظ، ونطمئن إلى ما ألفناه من القراءات، حتى يخيل إلينا أن الوفاء للكلمة لا يتحقق إلا بتكرارها، وأن احترام النص يقتضي أحيانًا التوقف عن مساءلته. وهنا تحديدًا يبدأ القلق المعرفي: حين تتحول اللغة، التي أراها أفقًا للفهم، إلى حدود جامدة تمنعنا من الذهاب أبعد مما اعتدناه.
لا أتعامل مع اللغة بوصفها مجموعة من الأصوات والرموز فحسب، ولا أرى في الحرف مجرد علامة محايدة تُستعمل لتوصيل الأفكار؛ فاللغة تحمل ذاكرة الإنسان، وتجربة الجماعة، وتحولات الوعي عبر الزمن. لكنني، في الوقت نفسه، لا أستطيع أن أمنح الحرف سلطة مطلقة لمجرد أنه يحمل معنى موروثًا أو يستند إلى هيبة متراكمة. فالحروف، مهما اكتسبت من جلال، لا تضمن وحدها سلامة الفهم، كما أن جمال العبارة لا يكفي لإثبات عمق الفكرة التي تتخفى وراءها.
ولعل أبسط ما يكشف هذه المفارقة ما نراه في واقع القراءة حين يستطيع أحدهم استظهار نص كامل، لكنه يعجز عن شرح فكرته الأساسية بكلماته الخاصة. قد يحفظ مقالة فلسفية، أو قصيدة، أو فقرة من كتاب، ويستعيد ألفاظها بدقة لافتة، فإذا سألته: ماذا فهمت منها؟ وما الذي أضافته إلى طريقة تفكيرك؟ وجدته يعيد النص نفسه، كأن الكلمات المحفوظة هي الجواب، وكأن استحضار العبارة يغني عن استيعابها. هنا لا تكمن المشكلة في الحفظ، فهو وسيلة نافعة لحفظ المعرفة واستحضارها، بل في أن يتحول من أداة للفهم إلى بديل عنه؛ إذ يمكن للذاكرة أن تحتفظ بالكلمات، بينما يظل العقل بعيدًا عن بنائها ودلالاتها.
ما يثير انتباهي هو تلك اللحظة التي تتجاوز فيها عنايتنا باللغة حدود الاحترام، لتتحول إلى يقين مغلق يعفي فهمنا للنص من المساءلة. عندها يصبح الحرف غاية في ذاته، وتغدو المحافظة على صورته أهم من استيعاب رسالته، فنخلط بين حفظ الكلمات وفهمها، وبين ترديد الحكمة والقدرة على إدراك مقتضاها. وحين ندافع عن عبارة لا لأننا اختبرنا معناها، بل لأننا اعتدنا هيبتها أو نخشى زعزعة طمأنينتنا الموروثة، فإننا لا ننتصر للغة، بل نحرمها من قدرتها على تحريك الفكر وتجديد الفهم.
ويظهر هذا الخلل أيضًا حين نقرأ نصًا أدبيًا أو فلسفيًا، ثم نكتفي بشرح مفرداته وصوره البلاغية، دون أن نتوقف عند السؤال الذي يحركه أو المشكلة التي يحاول مقاربتها. فقد ينشغل القارئ بتحديد الاستعارة والكناية والإيقاع، ويخرج من القصيدة وقد أحصى أدواتها الفنية، لكنه لم يلتفت إلى التجربة الإنسانية التي تمنحها روحها. وقد ينجح في تلخيص فصل من كتاب فلسفي، لكنه لا ينتبه إلى الاعتراض الذي يقيم عليه الكاتب حجته، أو إلى التوتر بين الفكرة التي يعلنها والنتائج التي تترتب عليها. عندئذ تصبح القراءة جردًا للمعلومات بدل أن تكون حوارًا معها، ويغدو النص موضوعًا للفحص الخارجي لا تجربة فكرية تستدعي المشاركة والنقد.
لكن المسألة لا تنتهي عند نقد تقديس الحرف؛ إذ يمكننا أن نقع في الوهم نفسه حين ننتقل إلى الطرف المقابل، فنفتتن بالتأويل إلى الحد الذي يجعلنا نتصور أننا امتلكنا الحقيقة نهائيًا. وهنا يبرز خطر التقديس المضاد: أفلا يتحول التأويل بدوره إلى صنم حين يعتقد صاحبه أن قراءته هي الحقيقة المطلقة، وأن ما عداها ضلال أو عجز عن الفهم؟
لنتأمل، مثلًا، قارئًا يدخل إلى كتاب وهو يحمل حكمًا مسبقًا على صاحبه؛ فإن كان يرفض أفكاره، راح ينتقي العبارات التي تؤكد خطأه، ويتجاهل ما قد يضعف موقفه. وإن كان معجبًا به، بحث عن كل ما يعزز صورته الإيجابية، وتأول مواطن التناقض لمصلحته. في الحالتين، يبدو القارئ كأنه يحاور النص، لكنه في الحقيقة يحاور قناعاته من خلاله. لا يعود الكتاب مصدرًا لاحتمال جديد، بل يصبح شاهدًا يستدعيه القارئ لتأكيد ما قرره سلفًا. وهنا لا يفرض الحرف سلطته على القارئ، بل يفرض القارئ سلطته على الحرف، فيستخرج منه ما يريد، لا ما تسمح به بنيته وسياقه.
وأرى أن هذا من أكثر أشكال القراءة خفاءً؛ لأن صاحبه قد يكون مقتنعًا تمامًا بأنه يمارس النقد الحر، بينما لا يفعل سوى إعادة إنتاج موقفه السابق بلغة مختلفة. فالقراءة النقدية لا تُقاس بمدى قدرتنا على الاعتراض، ولا بعدد المرات التي نعلن فيها اختلافنا مع الكاتب، بل بقدرتنا على فهم حجته في أقوى صورها، واختبارها بإنصاف، ثم تحديد مواضع قوتها وضعفها. ومن لا يستطيع عرض فكرة خصمه عرضًا دقيقًا قبل نقدها، قد يكون قد رفضها قبل أن يفهمها.
إنني لا أطمئن إلى كل قراءة تعلن تمردها المجاني على النص، كما لا أقتنع بأن كل تأويل جديد أعمق بالضرورة من سابقه. فالتأويل، مهما بدا جريئًا، يظل مسؤولًا عن أدلته، ومطالبًا بالانضباط المعرفي. وليس من حقنا أن نحمّل الكلمات ما تمليه علينا رغباتنا تحت غطاء حرية المعنى؛ فالانفتاح على الدلالة لا يعني إلغاء حدودها، وتحرر العقل لا يعني إعفاءه من شروط الحجة.
ويتضح ذلك بجلاء عندما نقتطع جملة من كتاب أو مقال، ثم نتداولها منفصلة عن سياقها، ونحمّلها معنى قد لا يكون الكاتب قد قصده، أو قد يكون السياق الأصلي قد قيّده أو ناقشه أو نقضه. كم من عبارة تبدو، عند قراءتها منفردة، تقريرًا قاطعًا، بينما يكشف الرجوع إلى الفقرة السابقة واللاحقة أنها سؤال افتراضي، أو رأي ينقله الكاتب عن خصمه، أو موقف يعرضه تمهيدًا لدحضه! وكم من اقتباس ينتشر بوصفه خلاصة فكر صاحبه، مع أن العودة إلى الكتاب تكشف صورة أكثر تعقيدًا، وربما مختلفة تمامًا!
في مثل هذه الحالات، لا يكون الخلل في الكلمات ذاتها، بل في انتزاعها من شبكة العلاقات التي تمنحها معناها. فالجملة لا تعيش في فراغ، والنص ليس مجموعة عبارات مستقلة يمكن نقلها كيفما نشاء دون أن تتغير دلالاتها. ومن هنا أرى أن العودة إلى السياق ليست إجراءً شكليًا يسبق التأويل، بل شرط أساسي يحمي القراءة من التسرع، ويمنعنا من تحويل النص إلى مادة طيّعة تخدم أي موقف نريد الدفاع عنه.
لذلك، أرى أن الأزمة تبدأ حين نعجز عن التمييز بين الحقيقة التي نسعى إلى إدراكها والفهم البشري الذي نصوغه عنها. نتمسك بقراءتنا، ثم نتخذ من تمسكنا بها دليلًا على صحتها، ونخشى مراجعتها لا لأن الأدلة تمنعنا من ذلك، بل لأنها قد تربك يقينًا ألفناه أو تنتزع منا سلطة اعتدنا ممارستها باسم الفهم. وهكذا يتحول النقاش من محاولة لاكتشاف المعنى إلى صراع على امتلاكه، ويصبح الاختلاف تهديدًا بدل أن يكون فرصة لتوسيع النظر.
ولعلنا نلمس هذا بوضوح في نقاشات القراء حول كتاب واحد؛ إذ يخرج كل قارئ بانطباع مختلف، ثم يتحول اختلاف الانطباعات أحيانًا إلى اتهامات متبادلة بسوء الفهم. والحال أن اختلاف القراءات ليس دليلًا كافيًا على أن جميعها صحيحة، كما أنه ليس دليلًا على أن إحداها وحدها تحتكر الحقيقة. المطلوب هو أن ننتقل من سؤال: من فهم النص فهمًا صحيحًا؟ إلى أسئلة أكثر جدوى: ما الشواهد التي يستند إليها كل فهم؟ أي قراءة تفسر تفاصيل النص بأكبر قدر من الاتساق؟ وأيها تضطر إلى إهمال أجزاء منه أو ليّ دلالاته حتى تنسجم مع نتيجتها؟
بهذه الأسئلة، يتحول الاختلاف من منافسة على امتلاك الحقيقة إلى اختبار للحجج. ولا يعود القارئ مطالبًا بالتخلي عن رأيه لمجرد أن غيره يخالفه، بل يصبح مطالبًا بأن يعرف لماذا يتبناه، وما الذي يمكن أن يدعمه، وما الذي قد يدعوه إلى مراجعته. فالتواضع المعرفي لا يعني التردد الدائم أو العجز عن اتخاذ موقف، وإنما يعني أن نكون مستعدين للتمييز بين ثقتنا في حجة ما وادعائنا أنها لا تقبل النقاش.
إن السؤال الحقيقي، إذن، ليس: هل نقدّس الحرف أم نحرر المعنى؟ بل: كيف نحافظ على قيمة النص من دون أن نحوّل فهمنا له إلى حقيقة مغلقة؟ وكيف نمنح التأويل حريته من دون أن نسمح له بأن يصبح وسيلة لإسقاط أهوائنا على الكلمات؟
في تقديري، لا تنحصر العلاقة بين الحرف والمعنى في علاقة سيد بخادم، ولا تقوم على انفصال تام بينهما؛ فدلالة الكلمات تتشكل من تفاعلها مع السياق والفكر، واللغة لا تنقل أفكارنا فحسب، بل تسهم أيضًا في تشكيلها، وتؤثر في الطريقة التي نصوغ بها فهمنا للعالم. ومن هنا، فإن احترام اللغة مسؤولية معرفية تقتضي الدقة في استعمالها، والوعي بسياقاتها، والانتباه إلى ما تتيحه من إمكانات وما تفرضه من حدود. فلا ينبغي أن نجعلها سجنًا لما يمكن أن نفكر فيه، ولا أن نعامل الموروث بوصفه نهاية المطاف.
وهذا ما يجعلني أرى أن القراءة الحقيقية لا تبدأ عند فتح الكتاب فحسب، بل عند استعدادنا لأن نسمح له بمفاجأتنا. أن نقرأ دون أن نقرر مسبقًا ما نريد العثور عليه، وأن نمنح الفكرة فرصة كي تعيد ترتيب أسئلتنا، وأن نميز بين الاعتراض الذي ينبع من فهم والرفض الذي يسبق الفهم. وقد تكون العلامة الأصدق على أن كتابًا أثّر فينا ليست قدرتنا على استعادة ما قاله، بل قدرتنا على إعادة النظر في سؤال كنا نظن أننا نعرف إجابته، أو اكتشاف حدود فكرة كنا نتبناها دون اختبار.
إن النص الذي يستحق التأمل لا ينبغي أن يخيفه السؤال، والفكرة التي تملك أسباب قوتها لا تحتاج إلى تحصين نفسها من النقد بالترهيب أو التخويف. وما أحرص عليه حقًا هو ألا تتحول رغبتنا في النقد إلى استعلاء، وألا يصبح تحرير المعنى ذريعة للتنصل من الانضباط المنهجي. أريد أن نستعيد تلك المسافة الضرورية بين النص وقراءته، وبين الحقيقة ومحاولاتنا المتعددة للاقتراب منها؛ المسافة التي تسمح لنا بأن نفكر دون توهم العصمة، وأن نختلف دون أن نحوّل الاختلاف إلى خصومة، وأن نراجع قناعاتنا دون أن نعدّ المراجعة خيانة لها.
فالمشكلة ليست في أن نمتلك قناعات، بل في أن نمنحها حصانة تحول دون اختبارها؛ وليست في أن نؤوّل النصوص، بل في أن نخلط بين تأويلنا وما نريد للنص أن يقوله. ثمة فرق بين أن نبحث عن دلالة تسندها القرائن والحجج، وأن ننتقي من الكلمات ما يبرر موقفًا سبق أن حسمنا أمره. في الحالة الأولى، يكون التأويل طريقًا إلى الفهم؛ وفي الثانية، يصبح الفهم تابعًا للرغبة، مهما بدا صاحبه واثقًا من سلامة موقفه.
قيمة الحرف في قدرته على التعبير، وقيمة التأويل في قدرته على بناء فهم يستند إلى الدليل، أما قيمة العقل فتظهر في قدرته على التمييز بين ما تسنده الحجة وما تمليه الرغبة. ولا أرى في هذا الموقف انتقاصًا من النص أو تشكيكًا مجانيًا في المعنى، بل محاولة للحفاظ على حق كل منهما، وعلى مسؤولية الإنسان الذي يتعامل معهما. فاحترام النص لا يعني التسليم بكل قراءة له، والانفتاح على المعنى لا يمنحنا حق تأويله بلا ضوابط.
في النهاية، لا أبحث عن انتصار الحرف على المعنى، ولا عن انتصار المعنى على الحرف؛ بل عن علاقة لا يبتلع فيها أحدهما الآخر، ولا يدّعي أيٌّ منهما أنه يغني عن الآخر. أريد للغة أن تحتفظ بدقتها وجمالها، وللتأويل أن يظل منفتحًا على المراجعة، وللعقل أن يمارس حقه في السؤال دون أن يتوهم امتلاك الحقيقة.
فأنا لا أخشى تقديس الحرف وحده، بل أخشى أيضًا فتنة المعنى حين توهمنا بأننا امتلكنا الحقيقة. فالحرف قد يحجب ما وراءه، والتأويل قد يحجب ما يتجاوزه، ولا يتحرر الوعي إلا حين نتعلم احترام النص دون عبادته، ومساءلة المعنى دون ادعاء احتكاره.
