هناك أعمال روائية تسلب عنوةً قيمتها من قدرتها على إعادة تشكيل التجربة الإنسانية عمق اللغة- حيث تتحول الإبداع إلى فعل جمالي يتعدى الحكاية نحو مساحات أخرى..إلى مساءلة الوجود وكشف ما يتوارى خلف المعهود، ومن هذه الزاوية تتجسد رواية “نشيد الجنائز” للكاتب الجزائري أيوب بودر- بكونها تجربة أدبية تنشغل بالإنسان في ارتباطه القلق بالوجود.. وتسعى إلى نقل المعاناة- من مادة حكائية إلى مجال للتأمل ومساءلة الذات والعالم
وما يستوقفني في هذا العمل هو الحساسية الفنية التي تجد طريقها بسلاسة وتتسلل إلى نسيجه السردي- حيث تتعدى اللغة دورها التقليدي الإخباري لتصير ألية للكشف والتأويل.. ويكتسب الوصف كثافته من قدرته على استنطاق الأشياء وإخراجها من صمتها، لتصبح التفاصيل اليومية امتدادات نفسية ووجودية. وتتجسد جرعة الإبداع في هذا الاشتغال على الارتباط بين المحسوس والمتخيل.. وفي محاولة مد التجربة الواقعية أبعاداً تتجاوز مساحة الحكاية، حتى وإن ظل الإتكاء على التأمل أحياناً يزاحم الحركة السردية.. وهي مسألة لا تلغي القيمة الجمالية للمحاولة بقدر ما تكشف طبيعة الرهان الفني الذي يخوضه الكاتب
وربما أكثر ما يورث تجربة أيوب بودر خصوصيتها هو عصاميته التي تفرض سؤالاً أعمق وتطرحه حول نشأة الوعي الإبداعي خارج نطاق المسارات التعليمية المألوفة.. ذلك أن الكاتب لا تصنعه المؤسسة وحدها، بينما تصنعه من جهةٍ أخرى أيضاً قدرته على تحويل القراءة والتجربة والمثابرة مع الإجتمهاد إلى معرفة تتجسد في أدواته الفنية- فالعصامية في ذاتها ليست امتيازاً جماليا..ولكنها تكتسب قيمتها وقت تتحول إلى وعي يمتلك القدرة على صياغة وصناعة رؤية مستقلة.. وهو ما تجسد بعض تجلياته من خلال عناية بودر بلغته ومحاولته تجاوز التعبير المباشر إلى بناء دلالات تأخذ قوتها من التخييل والتأمل
وتكشف “نشيد الجنائز” عن طموح واضح إلى توسيع أفق الحكاية نحو أسئلة الهوية والاغتراب والمعنى.. وهذا دون أن تنشأ قطيعة شكلية بين تجاوز المألوف فيها مع البناء الروائي المعروف- وإنما محاولة للنفاذ إلى ما وراء الحدث واستكشاف أثره في الوعي الإنساني.. ومن هذه المنطقة تتضخ أهمية التجربة في سعيها إلى جعل الأسلوب شريكاً في إنتاج المعنى، حيث أن الجمالية ليست زينة تلحق باللغة، هي الكيفية المخصوصة لرؤية العالم وإعادة بنائه فنياً
إن ما يستحق التقدير في تجربة أيوب بودر هو تلك الإرادة التي تسعى جاهدةً في الارتقاء بالتجربة الشخصية إلى مستوى التعبير الأدبي وتؤكد أن الإبداع لا يأخذ مشروعيته من الألقاب أو المؤسسات.. ولكنه يستمدها من قدرة صاحبه على بناء أدواته وتطوير وعيه الجمالي.
“فالعصامية الحقيقية لا تعني أن يكتب الإنسان خارج المعرفة- وإنما أن يصنع من المعرفة التي اكتسبها بجهده وعياً خاصاً.. ومن وعيه أسلوباً يحمل بصمته.. ومن أسلوبه أثراً أدبيا يستطيع أن يتجاوز حدود صاحبه”
“نشيد الجنائز”- عصامية الكاتب وجمالية الوعي.. بقلم خليفة عبد السلام
IMG 20261026 130442
