لماذا أنتجت الثقافة العربية مثقفاً يجتهد لأنْ يكون أي شيء إلا ذاته؟ وكيف انتهى الوعي الذي كان من المفروض أن يكون أداة للتحرر إلى فضاء للاستلاب.. حتى بات المثقف يبحث عن صورته في مرايا الاخرين.. ويقيس تقدمه بمقدار ابتعاده عن نفسه؟ لعل المأساة بعمقها وما تحمل من أبعاد تكمن في أن علاقتنا بالحداثة لم تتأسس غالباً على استيعاب شروطها الفلسفية والمعرفية- وإنما انزلقت في كثير من تجلياتها إلى محاكاة مظاهرها.. فاستعرنا نتائج التحولات التي عايشتها الغرب من دون أن نصيغ بالضرورة الأسئلة التي جعلت تلك التحولات ممكنة.. حتى صار التقليد عند جزء كبير من النخب ضرباً من الوعي و بدورها التبعية مظهراً من مظاهر التقدم
تتجسد خطورة المشهد لحظة تُصاب الثقافة بفقدان الثقة في قدرتها على أن تكون مصدراً لها.. في حين يصبح الاخر مرجعاً مطلقاً للحقيقة والجمال والتفكير وتتحول الذات لهامش تتقوت من المعاني التي لم تشارك في إنتاجها فتصبح الحداثة نفسها مفارقة وجودية يمارس عمقها المثقف اغترابه وضياعه باسم التحرر.. ويستعير أدوات النقد من دون امتلاك الجرأة على مساءلة المرجعية التي استعارها منها- وعندها لا يصبح التقليد مجرد سلوك ثقافي عابر، وإنما يتحول لبنية ذهنية تسهر على إنتاج التبعية تحت أسماء فكرية لماعة وتعطي الوعي شعوراً مزيفا بالاستقلال
ولا يوجد في الانفتاح على الغرب ما ينتقص من أصالة الثقافة..بما أن المعرفة الإنسانية لا وطن لها- إلا أن الفرق واسع بين ثقافة تتحاور مع الاخر انطلاقاً من وعيها بتاريخها وأسئلتها.. وثقافة تنحل فيه سعياً في البحث عن شرعية وجودها- فالحداثة التي نشأت من مساءلة المسلمات لا يمكن أن تتحقق في بيئة تستقبلها بوصفها مسلمة جديدة.. وإلا تحولت من مشروع لتحرير العقل إلى سلطة رمزية تمارس الوصاية عليه
أقسى ما انتهت إليه هذه المفارقة أن المثقف الذي كان من المفروض أن ينتج اختلافه صار يخشى أن يكون مختلفاً.. وكأن الاعتراف به مشروط بمدى نجاحه في تقمص شخصية غيره.. ومن هذه المسافة تتعدى الأزمة حدود التأخر الثقافي لتبلغ مأساة الوجود نفسه- لأن الثقافة التي تعجز عن إنتاج ذاتها لا تفقد مكانتها في التاريخ فقط، في واقع أمرها.. تفقد القدرة على المشاركة في صناعته- وما أشد بؤس وعي يظن أنه بلغ الحداثة.. بينما لم يبلغ بعد شجاعة أن يكون نفسه!
المثقف العربي- اغتراب الذات في وهم الحداثة… بقلم خليفة عبد السلام
IMG 20261105 191636
