ثمة شيء غريب يحدث كلما وضعنا قلما على الورق؛ نتصور أننا نخرج ما استقر في دواخلنا إلى العالم، لكننا قد نكتشف، بعد اكتمال النص، أننا لم نكن نعرف تماما ما الذي كان يسكننا. فالكتابة ليست دائما إفصاحا عن فكرة مكتملة، بل قد تكون رحلة في تضاريس الذات، حيث تقودنا الكلمات أحيانا إلى أسئلة لم تكن في حسباننا، وتكشف لنا من أنفسنا ما لم تستطع العزلة وحدها كشفه.

لكن، هل يكفي أن نكتب كي نكون قد أضفنا شيئا؟ وهل تحتاج الحياة إلى مزيد من الكلمات، أم إلى من يملك شجاعة النظر خلفها؟

لقد ازدحمت الأزمنة بالنصوص، واتسعت منافذ النشر حتى صار الوصول إلى القارئ أيسر من الوصول إلى فكرة تستحق أن تُقال. أصبح في مقدور الجميع أن يتركوا آثارهم على جدار العالم، غير أن كثرة الآثار لا تعني بالضرورة اتساع الطريق. فقد تتشابه الأصوات حتى يضيع بينها صوت التجربة، وتتراكم العبارات حتى يصبح المعنى غريبا في موطنه، ويغدو بريق اللغة أحيانا ستارا أنيقا لعجز الفكرة عن الوقوف وحدها.

ولعل المعضلة لا تكمن في تكرار ما قيل، فليس مطلوبا من كل كاتب أن يكتشف أرضا لم تطأها قدم، وإنما في أن يعيد إنتاج المألوف دون أن يضيف إليه شيئا من وعيه أو تجربته. فالفكرة القديمة قد تولد من جديد حين تمر عبر عقل مختلف، وقد تموت وهي ترتدي أجمل العبارات إذا ظلت أسيرة الاجترار. ليست الجدة دائما في الموضوع، بل قد تكون في زاوية النظر، وفي القدرة على مساءلة ما اعتدنا التسليم به.

وهنا تبدأ محنة الكاتب مع كلمته. فبين رغبته في التعبير وإغراء التأثير مسافة دقيقة؛ قد يكتب ليكشف، ثم يجد نفسه يجمّل ما يريد إخفاءه، وقد ينطلق من انطباع عابر، ثم تمنحه اللغة هيئة الحقيقة. وحينها تصبح البلاغة امتحانا أخلاقيا أيضا؛ إذ يمكن للعبارة الجميلة أن تحمل فكرة عميقة، كما يمكنها أن تستر فراغا لا يجرؤ صاحبها على مواجهته.

ليس مطلوبا من الكاتب أن يحوّل كل خاطرة إلى أطروحة، أو أن يخضع نبضه الأول لمحكمة البرهان. فهناك نصوص تولد من هشاشة عابرة، ومن دهشة لا تملك تفسيرا، ومن وجع لا يحسن صاحبه تسمية أسبابه. وتلك أيضا مساحة مشروعة للكتابة، بل لعل بعض أصدق المعاني تبدأ من هناك. غير أن الصدق مع التجربة لا يمنح صاحبها حصانة من مراجعة تأويله لها؛ فالإنسان قد يكون صادقا في شعوره، ومخطئا في تفسيره.

والكتابة، في وجه آخر منها، ليست ما نختار قوله فحسب، بل ما نختار استبعاده أيضا. فكل نص نافذة، وكل نافذة تمنحنا مشهدا وتحجب عنا مشاهد أخرى. قد لا يكذب الكاتب في عباراته، لكنه قد يترك من الحقيقة ما يجعل الصورة ناقصة، وقد يدافع عن موقفه بإتقان، بينما يغفل عمدا أو سهوا ما يربك يقينه. لذلك لا تُقاس أمانة الكلمة بما تعلنه وحده، بل بمدى استعداد صاحبها لمواجهة ما تركه خارج حدود رؤيته.

ثم إن الكلمة لا تبقى ملكا كاملا لمن كتبها. ما إن تغادر الصفحة حتى تدخل حيوات أخرى، تتلقى معناها من تجارب لم يعرفها صاحبها، وتمنحها أسئلة لم تخطر له. قد يكتب المرء جملة في لحظة عابرة، فتكون في حياة قارئ منعطفا، وقد ينفق أعواما في تشييد نص يظنه استثنائيا، فلا يجد فيه الآخرون سوى صدى بعيد. وليس في ذلك دائما انتصار للرداءة أو هزيمة للقيمة؛ فمصائر النصوص تتداخل فيها أذواق العصور، وسلطات الاعتراف، ومصادفات التلقي، وما يتيحه الزمن من فرص للظهور أو النسيان.

ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول هذا الغموض إلى ذريعة للتنصل من المسؤولية. فالكاتب لا يستطيع أن يحدد كيف ستُستقبل كلمته، لكنه يستطيع أن يسائل من أين جاءت، وعلى أي يقين استندت، وأي أثر قد تتركه. عليه أن يراجع أفكاره بالصرامة التي يراجع بها لغته، وأن يتواضع أمام ما يجهله، دون أن يفقد جرأة المغامرة فيما لم يُحسم بعد.

وربما كان أكثر الأسئلة إزعاجا للكاتب أن يتخيل نصه وقد نُزعت عنه زينة اسمه، وأُسقطت من حوله هالة صاحبه، ثم تُرك وحيدا أمام قارئ لا يعرفه ولا يدين له بشيء: ماذا سيجد هناك؟ فكرة تستحق أن يتوقف عندها، أم لغة تطلب الإعجاب، أم ذاتا تبحث عن شاهد على حضورها؟

إننا لا نكتب جميعا لنضيف حقيقة جديدة إلى العالم، ولا نملك أن نعد القارئ باكتشاف يغير مسار وعيه. لكننا نستطيع، على الأقل، ألا نزيد ضجيجه ضجيجا، وألا نخلط بين الرغبة في أن نُقرأ والاستحقاق الفعلي للقراءة. فليست كل كتابة أثرا، كما أن ليس كل أثر جديرا بالبقاء.

وربما لا تكون الإضافة الكبرى أن نترك وراءنا كتابا آخر، بل أن نترك في ذهن إنسان سؤالا لم يكن يعرف أنه يحتاج إليه، أو نعيد إليه شجاعة الشك في فكرة ورثها دون مساءلة، أو نمنحه زاوية يرى منها ما ألفه بعين مختلفة.

فالكلمة لا تُقاس بما تشغله من مساحة على الورق، بل بما تفتحه من مساحة في العقل.

وحين نكتب، لا ينبغي أن نسأل فقط: ماذا سيقول الناس عما كتبنا؟ بل أن نسأل أنفسنا: هل أصبح العالم، ولو بمقدار سؤال واحد، أوسع مما كان قبل أن نكتب؟