يغادرنا الأنثروبولوجي والباحث الفرنسي المتميز مارك أوجيه الذي صنع تحوّلاً جذرياً على مستوى جغرافية البحث في الانثروبولوجيا، هو من كتب “الزمن أطلالاً” و “اللا أمكنة” و”أنثروبولوجيا العوالم المعاصرة’…. وغيرها الكثير في محاولة للبحث عن “المدينة الضائعة”..؛ هو الذي قال يوماً ” ينبغي أن نُحسِن النسيان كي نحافظ على وجودنا، وينبغي أن نحسن النسيان كي لا نفْنى، وينبغي أن نحسن النسيان كي نظلّ أوفياء.”
في تحية وفاء وتقدير للراحل، اخترنا مقتطفاً من كتابه “الزمن أطلالاً” :
تشعرنا رؤية الاطلال بأن لها زمناً غير ذاك الذي تكلمت عنه كتب التاريخ او ذاك الذي تحاول عمليات الترميم ان تحييه. زمن الأطلال هو زمن خالص أو محض، عصي على التأريخ، وغائب عن عالمنا، عالمنا الراهن الطافح بالصور والأخيلة والتشكيلات. عالمنا العنيف الذي لا يتسع وقته للأنقاض كي تصبح أطلالاً. زمن الأطلال زمن ضائع يسعى الفن إلى العثور عليه.
يختلف تأمل الاطلال عن السفر في التاريخ، بل هو تجربة الزمن الخالص. التاريخ شديد الثراء والتنوع والعمق ولا يُختزل بعلامة حجرية أفلتت منه أو بعمل مفقود يجده الأثاريون الذين ينقبون في ثنايا المكان والزمان.. اما مشهد الطبيعة فيشكل لدينا شعوراً غامضاً وبالغ السعادة، لأننا حين نكون في الطبيعة حيث لم يتدخل الانسان بعد، انما نكون خارج التاريخ وخارج الزمن وخارج الأقدار الفردية والجماعية. في الطبيعة نشعر أن لا شيء يضيع ولا شيء يُمتلك ولا شيء يخلق. والطبيعة بهذا المعنى لا تلغي التاريخ فحسب بل تلغي الزمن.
أما الأطلال فتضيف إلى الطبيعة شيئاً لم يعد له وجود في التاريخ رغم ارتباطه بالزمن. لا يوجد منظر من دون إبصار ومن دون استيعاب لهذا المنظر. ومنظر الأطلال الذي لا ينقل أي ماض كامل بل يلمّح ذهنياً إلى مواضٍ عديدة، هو منظر ذو كناية مزدوجة ضائعة وراهنة، ولكنها مجانية. انه يضفي على الطبيعة علامة زمنية. أما الطبيعة فتنهي في المقابل إدراجها في التاريخ منسحبة نحو اللازمني. الزمن الخالص هو ذاك الزمن الذي يفتقر إلى التاريخ. ويستطيع المرء وحده أن يعيه ويقدر مشهد الاطلال أن يمنحه حدساً ولو بشكل عابر.
المصدر: مارك أوجيه، «الزمن أطلالا» ، ترجمه إلى العربية الدكتور السوري جمال شحيد، وصدر في البحرين عن مشروع نقل المعارف التابع لهيئة الثقافة والآثار البحرينية، ٢٠١٦.

