
الكتابة وجع وليست ترفاً، عندما يشعر الروائي أو القاص بشيء يخدشه من الداخل ويتحسس النزيف يسرع إلى قلمه ليصرخ بأعلى صوته ليوقف سيلان روحه، فيراها الناس كلمات وجملاً وهي ليست كذلك. الكاتب لا يبحث عن الشهرة ولا المال ولا عن رضا القراء، بل يبحث عمن يفهم معاناته ويتحسس ألمه لأنه الدواء الذي يطيب جرحه وإن لم يجده فسوف يستمر في النزف إلى النهاية غير آبه بملل من حوله.
لا تنتظروا من الكاتب أن يتوقف عن تكرار صرخاته من الألم، فهل رأيتم جريحاً ينزف كفّ عن شكوى الوجع قبل أن يغمى عليه أو تخمد أنفاسه؟ ولا تتوقعوا منه أن ينتصر لأيدلوجية ما أو أن يشارك في لعبة الصراعات الأزلية، فهو بشر يتحدث عن معاناة إنسانية خالصة، لذا سوف يرى في الصنم أو في الإله المعبود فقط ولن تهمه الشرائع كيفما كانت، وإنه يرى في القصص الإلهام وحسب، ولا تهمه إن كانت أساطير أو واقعاً.
الأدب كون جديد يخلقه السارد ويتحكم بقوانينه مثل كل الخالقين، فلا تلزموه بواقعكم الذي خلقتم فيه واعتدتم عليه فأذعنتم له، ولا تتوقعوا منه أن يؤمن بأفكاركم التي تظنون أنها سبيل النجاة الوحيد، السارد إله مملكته التي صنعها ومن يريد أن يفهمه عليه أن يدرس قوانينها لا أن يحاكمه بقوانين ممالك غيره.
بقلم الأستاذ عبد الرحيم درويش
