من العدد 21- شهر أوت

نحو قراءة “إفتراضية” واعية وعميقة…
●لم يخذاني قلمي يوما إذ كنت شابا يافعا أكتب في أعمدة الجرائد وأقول بأن رُب ضارة متفعة، حين كانت ساحة النقاش العام تُزلزل بين الفينة والأخرى بالجدليات وإستعراض تناقضات حول مسار شخصيات تاريخية وقيم ومراجع وطنية ودينية، ولطالما كنت أُخضع قلمي على تواضع المستحة التي أكتب فيها للجانب غير-المرئي في هاته الأحداث والقضايا ضمن أطر تحريرية مُختلفة (صحافة الرأي، الكتابة الهزلية الساخرة، أسئلة الحوارات الثقافية…) بالقول أن مثل هذه الرَّجات هي ترمومتر لرصد أفكار النخب والأشخاص إذا ما كانت واعية ومُطلعة أم إمعية مُتبعة أو محايدة عن قصد أو عن جهل… لقد أعادت حادثة رواية “هوارية” بالجزائر بتداعياتها إشعال الجدل الشبه-حداثي مع الإتجاه المُحافظ المُعرب، ولعل كثيرين إصطدموا من توسع قراءات وردود الفِعل من الفريقين، غير أن الثابت الذي لا غبار عليه هو أن كثيرين من صنف المحايدين عن جهل تحركت في ذاتهم ملكة الفضول لقراءة العمل وقياسه بالتحليلات المُدينة له أو المُدافعة عنه، ثم بناء رأي شخصي على قدر من الإطلاع والتقصي وتبنيه وهذا هو الجانب المملوء من الكأس ومربط الفرس في تداعيات الجدل. في ظل جدليات مُماثلة سايرتها وعاصرتها أرى أن أفضل الحلول في تلك الأوقات هي تنشيط ملكات التقصي والفهم والتحري لبناء رأي شخصي مستقل وواعِ، ولقد كانت الحصص الحوارية وفنون طرح السؤال لعدد من المُحاورين بالفضائيات العربية على غرار تركي الدخيل وأحمد منصور وحمدي قنديل بمثابة بوصلة أقيس بها موقفي إتجاه أشد القضايا الفِكرية جدلا وإحتداما، ما ساهم في تحفيز لذهني على البحث في المراجع وأمهات الكتب وفي كتب ذات صلة فأجد ثقافتي قد توسعت وتحاقلت بشكل مُعتبر. مارست كذاك التعليم الجامعي بصفة مؤقتة وطالبت طلبتي في بحوثهم بصياغة نظرتهم الخاصة للمقررات بإسقاطات واقعية رغم أن منهجيتهم في الغالب الأعم ركيكة، إلا أن تثميني للرأي الخاص ومُقاربته للوقائع أكثر أهمية بالنسبة لي كأستاذ، والنتيجة كانت ثقة نفس في طلبتي وإستكشاف لمواهب تظن النفس أنها مجبولة على الحِفظ والتلقين فترى منها العجب العُجاب في النقد والإستقصاء والتحليل وهذه هي زبدة التعليم بل وغايته. إن الفضاء الإلكتروني ومنصات التواصل الإجتماعي على الرغم من تشذيها وتعددها ودور الخوارزميات في التنشيط لقضية دون الأخرى، قد فتحت دون شك نافذة أمل في صياغة أراء على قدر من الجودة والعمق، ويتطلب أمر تعميق هاته الثقافة المُتحررة تدعيم هذا التوجه عمليا على أرض الواقع من خلال ورشات القراءة الحُرة وبيداغوجيا التلقي لدى الناشئين، كي نصل إلى تحصين جمعي آمن وواعِ ضد الأفكار الهدامة والمُتطرفة والشاذة، والتي يُحق أن تُهمل بالجيد والرفيع مِصداقا وتتمة لمقولة : أميتوا الباطل بالسكوت عنه …
بقلم الصحفي إبراهيم جزار
