الموسيقى الأندلسية.. ذاكرة فنية مغاربية تصارع الزمن!
بقلم مروة حرب
سقطت الأندلس سياسيا، وزالت ممالكها، إلا أن موسيقاها بقيت راسخة وشامخة تغرد بها ألمع أصوات المغرب العربي، وتسعى للحفاظ عليها معاهد علمية كبيرة، بعد أن ظلت تتناقلها الأجيال شفويا، دون أن تسجل تاريخ بروزها وانتشارها بدقة، وقواعدها الأصلية في كتب تقاوم غدر الزمن !!
قد تختلف الدول المغاربية الثلاث -الجزائر وتونس والمغرب- نسبيا في ثقافاتها وفنونها، وحتى في تاريخها بحكم موقعها الجغرافي، غير أن القاسم المشترك الذي ظل يميزها في المجال الفني دون غيرها من الدول، هو الموسيقى الأندلسية التي كتب لها التاريخ منذ عام 1492 أن تزدهر وتنتشر في ربوعها، فبقيت كجسر يربط الحاضر بالماضي.
تلك الموسيقى التي حملها المهاجرون العرب إلى شمال إفريقيا لم تكن مجرد ألحان وإيقاعات، بل كانت فلسفة حياة، تعكس روح الحضارة الأندلسية وما تحمله من قيم فنية وجمالية.
***
ازدهرت الموسيقى الأندلسية في عهد المرابطين والموحدين، وأنجبت عمالقة من الموسيقيين كسرت شهرتهم الحدود المغاربية، بينهم: التطيلي، ويحيى بن بقي، وأبو بكر الأبيض، والفيلسوف الموسيقار أبو بكر بن باجة المعروف باسم “ابن الصائغ”، والذي اجتهد وأبدع في مجالات التنظير، والتلحين، والأداء، والتلقين الموسيقي.
وكانت للموسيقيين والموسيقيات في زمن المرابطين والموحدين مكانة اجتماعية مرموقة؛ إذ جمع بعضهم بين ممارسة الموسيقى، ومناصب وزارية رفيعة المستوى، مثل ابن باجة. كما عرفت الموسيقى الأندلسية انتشارا كبيرا، وأصبحت تجارة آلاتها من العود، والكمان، والمندولين، والقانون، والرباب، والناي، والطار، تحقق أرباحا طائلة. وقد أولى الحكام اهتمامهم بهذه الموسيقى، فكان أمراء الدولة المقيمين في الأندلس يستقبلون الأدباء والشعراء والموسيقيين في قصورهم، للاستمتاع بآدائهم وأصواتهم ، أما في ظل الدولة الموحدية فقد اتخذت الموسيقى الأندلسية اتجاهات جديدة بفعل التأثيرات الاجتماعية التي برزت آنذاك، وأهمها ظهور الموشحات والأزجال الأندلسية التي حملها إلى تونس أمية بن عبد العزيز بن أبي السلط الإشبيلي؛ وبذلك دخلت إلى الموسيقى المغربية عناصر شرقية جديدة من ألحان، وآلات وترية ونقرية وهوائية، كما ظهرت فنون غنائية جديدة كالتوشيح الذي احتضنته قصور الخلفاء، ومجالس الأمراء، وظهر منه طرب الملحون، ثم تلاه ابتكار الزجل، وفن التغني بالمولد النبوي أو ما يسمى بالمولودية.
***
رغم اختلاف الأذواق الموسيقية بين شعوب المغرب العربي، إلا أن الأندلسي ظل متربعًا على عرش الفنون الراقية في تلك البلدان. ففي الجزائر لم تنل الموسيقى الأندلسية حيزا كافيا من اهتمام الشباب بسبب ميولهم الكبير نحو الأنماط الموسيقية الأخرى مثل: الراي، والشاوي، والشعبي، لكنها نجحت في خطف اهتمام بعض الفئات المثقفة، والطبقة الراقية في المجتمع ، وبقيت حكرا على مناطق محدودة، فمثلا في منطقة الغرب تعتبر مدينة تلمسان المعروفة باسم عميدة الأندلس من أكثر المناطق حفاظا على هذا التراث، وقد برز فيها بالدرجة الأولى نوع الحوزي، بينما تحتل العاصمة صدارة مدن الوسط، ثم تأتي مدينتا قسنطينة، وعنابة في منطقة الشرق برعايتهما لموسيقى المالوف.
ولا يمكن الحديث عن بقاء الموسيقى الأندلسية دون الإشارة إلى الدور الكبير الذي لعبته المدارس الفنية التي تمسكت بهذا اللون من الموسيقى، فإلى جانب التوجهات الشعبية الحديثة، نجحت بعض المدارس الفنية التقليدية -على قلتها- في الحفاظ على الموسيقى الأندلسية، وتعليم فنونها وأصولها للأجيال الجديدة، مثل: مدرسة السندوسية وانشراح والبوزيدية في العاصمة، وأوتار في قسنطينة، إضافة إلى فرقة أحباب الشيخ بن صاري في تلمسان، والتي أطلق عليها هذا الاسم تكريما للفنان الراحل باعتباره آخر عمالقة الموسيقى الأندلسية إلى جانب محمد خزناجي، وعبد الرزاق فخارجي؛ حيث يملك بن صاري في رصيده 1200 قطعة موسيقية أندلسية من بين 3000 قطعة يضمها هذا التراث، وأكثر من ذلك راح يبحث عن النوبات المبعثرة، وجمعها قبل أن يقدمها كهدية لتلاميذه، وبينهم: الشيخ بوعلي وخير الدين غبورة اللذان أسسا بعد موت أستاذهم الجمعية التي تحمل اسمه.
بهجة رحال
الحديث عن الموسيقى الأندلسية في الجزائر، يجرنا حتما إلى الحديث عن الفنانة بهجة رحال أو سيدة النوبة الأندلسية كما يلقبها النقاد والموسيقيون ؛ حيث تربعت على عرش النجومية منذ سنوات التسعينات، وذاع صيتها ليصل إلى أوروبا، منذ أن نجحت في أن تكون أول امرأة تؤدي 8 نوبات كاملة من بين 12 نوبة. ساعدها في إنجازها أوركسترا بهجة التي اهتمت شخصيا بأدق تفاصيلها، وحرصت على أن تكون لها المواصفات نفسها التي اعتمدها زرياب، وفوق كل ذلك أسست عام 2008 مدرسة فنية في باريس تضم حوالي 80 طالبا من مختلف الجنسيات، تنشط في فرنسا إلى جانب ما لا يقل عن أربع جمعيات مماثلة، بهدف تعليم أصول الموسيقى الأندلسية، ونشر تراثها بين أبناء الجالية العربية. كما تمكنت رحال من أن تجمع حوالي 66 قطعة موسيقية، غير أنها في المقابل ظلت تصرخ بكل طاقتها، للحفاظ على هذا المجد قبل ضياعه، باعتبار أن تناقله اعتمد على ذاكرة شفهية دون كتابته. وقد لقيت نداءاتها صدى في أوساط بعض الشباب ومنهم: فيصل بنكلفات الذي بادر بتسجيل 30 بالمائة من النوبات الأندلسية، و220 قطعة موسيقية، بينما عمل سهيل ديب من جهته على ترجمة عدد كبير من هذا التراث إلى اللغة الفرنسية.
سجلت بهجة رحال العديد من النوبات بمدرسة الصنعة، بداية من نوبة الزيدان عام 1995، والمزموم سنة 1997، ونوبة الرصد عام 1999، ونوبة الذيل عام 2001، كما سجلت بين عامي 2001 و 2004 باقي سلسلة النوبات، وهي نوبة الغريب، والحسين، والماية، والرمل، والذيل، ونوبة السيكا والمجنبة، وقدمت لجمهورها 28 ألبوما مسجلا .
تجلى ذكاء بهجة رحال في اعتمادها على الجانب الأكاديمي الممنهج والموثق في البحث، وذلك من خلال تعاونها مع أحد كبار الدكاترة المتخصصين في البحث عن التراث الأدبي العربي والأندلسي، وهو الدكتور سعدان بن بابا علي، ابن مدينة المدية وأستاذ الأدب العربي بجامعة سوربون؛ حيث أصدرا معا مؤلفات مشتركة، من بينها: كتاب بهجة النفوس في بهاء حدائق الأندلس، والقلم والصوت والريشة، و العشق والمرأة والحدائق في الموشحات الأندلسية، وهي أعمال غاية في الأهمية وتعتبر مراجع أساسية في التأريخ لأصول هذه الموسيقى، وفلسفتها وأعلامها ومستقبلها.
تونس
لا تختلف تونس كثيرا في تعاملها مع الموسيقى الأندلسية عن الجزائر؛ حيث أن هذا النوع بقي حكرا على طبقة معينة من المجتمع، وهي غالبا الطبقة المثقفة والأرستقراطية؛ غير أن الميزة التي قد تطبعها عن باقي دول المغرب العربي، تنوع الألحان والميول نحو الإيقاع الشرقي، وعلى وجه الخصوص المصري، والسوري، واللبناني، بحكم موقعها الجغرافي القريب جدا من المشرق العربي. وتعتبر النوبة من أهم أنواع الموسيقى الكلاسيكية الأندلسية في تونس؛ حيث استطاعت أن تحافظ على 13 نوبة، أبرزها: الشوجول، والبشرف ـ ذات الأصل التركي ـ كما أن الموسيقى التونسية كانت متأثرة كذلك بالفوندو والزندالي، وهي من أشهر أنواع الموسيقى الأندلسية الشعبية ـ وقد برع في آدائها عدد من الفنانين أبرزهم : خمايس تارنان، وشيخ العفريت، وصليحة، وحبيبة مسيكة، وشافية رشدي، وعليا نعامة، وعلي رياحي، ولطفي بوشناق .
لعبت المعاهد الموسيقية ووسائل الإعلام دورا كبيرا في انتشار هذا النوع الموسيقي، وخير مثال على ذلك إذاعة تونس التي كانت في خدمة هذا الفن منذ تاريخ إنشائها عام 1936 ، وكذلك معهد الراشيدية الذي تأسس عام 1934 بهدف حماية الفن الأندلسي من الاندثار ، خاصة ” النوبة ” التي ظهرت في بغداد خلال العامين 789 و857 ميلادي ، وانتشرت في قصور الأندلس ، ويعود أصلها إلى عهد إبراهيم الموصلي، وزرياب صاحب 24 نوبة، والتي تغنى كل واحدة منها في ساعة من ساعات اليوم وتحمل اسما متميزا .. غير أن نصف هذه المؤلفات ضاع واندثر، ولم يبق منها اليوم في تونس سوى 13 نوبة فقط، و12 في الجزائر و11 في المغرب، ظلت أجيال من الفنانين تتناقلها شفهيا، دون أن تبادر إلى تدوينها، خوفا من أن تفقد روحها الأندلسية.
وتضم ” النوبة ” خمسة إيقاعات، تبدأ بإيقاع ثقيل ثم تتدرج نحو الخفيف، ولكل واحد من هذه الإيقاعات اسم خاص به، فهناك المصدر، والبطايحي، والدرج، وانصراف، والخلاص، ومدة كل نوبة لا تتجاوز ساعة، لكن يمكن للمؤدي إضافة إيقاعات أخرى .. بينها: توشية، وانقلاب، واستخبار، ووليدة، والقادرية، وحينها تتعدى النوبة ساعتين.. وتؤكد الكتب والبحوث على أن أول من أدى هذا النوع الموسيقي كانت مجموعة من النساء الأرستقراطيات اللواتي درسن على يد زرياب، غير أنه بعد سقوط غرناطة، وانتشار هذا الطابع الموسيقي في شمال إفريقيا، غابت الحناجر النسائية، لتحتل الأصوات الرجالية الصدارة لفترات طويلة.
المغرب
وتبقى المغرب من أكثر دول المنطقة اهتماما بهذا النوع الموسيقي، ولعل أهم سبب في ذلك هو أنها كانت القبلة الأولى لمسلمي الأندلس، الذين هاجروا إليها بأعداد كبيرة عقب طردهم من أرضهم. ويتجلى ذلك في المكانة المتميزة التي وصل إليها هذا الفن في المنطقة، حيث لم يستطع أي نوع موسيقي آخر منافسته في الحفلات الرسمية، والمناسبات الرفيعة، وحفلات الزفاف، باعتباره رمزا للأصالة، وعنوانا للحضارة. كما تبقى المغرب الدولة المغاربية الوحيدة التي تضم عددا كبيرا من الجمعيات المهتمة بالموسيقى الأندلسية، أبرزها: بعث الموسيقى الأندلسية، والأندلسية للموسيقى والأدب، وشباب الأندلس، والموسيليا.. وأكثر من ذلك فإن المغرب تعتبر الدولة الوحيدة التي تملك موسوعة حقيقية للموسيقى الأندلسية، تضم كل أنواع هذا التراث الفني القديم، سيما التي حافظت عليها المغرب، وأبرزها فن الملحون الذي استطاع أن يندمج ويحتل مكانة متميزة بين أفراد المجتمع، حيث يعتبره المغاربة جزءا من حياتهم اليومية، على اعتبار أن موضوعاته كلها تناقش أمور الحياة، سواء بالمدح، أو الرثاء، أو الهجاء، أو الغزل…
وتتميز المغرب كذلك بنوع الطرب الغرناطي المنتشر في مدينتي الرباط ووجدة على وجه الخصوص. وحظيت النوبة بمكانة متميزة في المغرب –أيضا- ورغم أن فنانيه حافظوا فقط على 11 نوبة موسيقية، غير أنهم نجحوا في حماية هذا التراث من خلال أصوله وفنياته؛ حيث تتميز كل نوبة بإيقاع أو ميزان خاص بها، وهي: البسيط، والقلم، ونصف البطايحي، والدرج، والقدم، كما أن إيقاعها يرتفع بتدرج محكم، وتستخدم في آدائها إلى جانب الآلات المعروفة مثل: العود، والكمان، والمندولين، والقانون، والرباب، والناي، والطارلة، آلة أخرى اسمها السنات.
رغم أن العالم العربي يملك العديد من الكتب والمخطوطات التي توثق للموسيقى الأندلسية، إلا أن الباحثين يؤكدون أن هذا المجال يحتاج إلى دراسات أكاديمية حديثة تعكس واقعه الحالي، وتجمع مختلف الأنماط الفنية التي انتشرت في دول المغرب العربي. مع أهمية إرساء تقاليد علمية موضوعية لتطوير هذا الفن والبحث في فنياته المتعددة.










