مقهى الظلال المفقودة
بقلم آية مصدق /

كان الليل هادئًا في المدينة الصغيرة التي لفّها رداءٌ كثيف من الضباب.
في ذلك الزقاق المظلم، أنهت قطة سوداء التهام قطعة لحم مشوي منحها إياها رجل خمسيني قبل أن يغلق مطعمه وينصرف.
في زاوية الشارع، انتصب مقهى صغير كشبح وسط الضباب، يرتاده قلة من الزبائن المعتادين، ومعظمهم يعرفون بعضهم بعضًا.
في تلك الليلة، دخل رجل غريب المقهى، يدثر نفسه بمعطف أسود طويل، وتختبئ ملامحه تحت قبعة من نفس اللون. جلس في الزاوية، وطلب قدحًا من القهوة. كانت عيناه تراقبان المكان بحذر، وكأنه ينتظر شخصًا ما.
بعد دقائق، دخلت امرأة شقراء، ترتدي ثوبًا أحمر طويلاً وكعبًا عاليًا، وفي يدها ساعة ذهبية. جلست على الطاولة المجاورة للرجل الغريب. لم يتبادلا الحديث، لكن نظراتهما كانت تقول الكثير. لاحظ النادل عمر غرابة الاثنين، لكنه لم ينبس بكلمة وواصل عمله. وفجأة، انقطعت الكهرباء وغرق المقهى في ظلام دامس.
لم يستطع عمال المقهى إصلاح العطب بسرعة. وبعد مضي نصف ساعة، عادت الأنوار، ولاحظ عمر اختفاء المرأة، بينما ظل الرجل الغريب في مكانه يحتسي قهوته ببطء، وكأن شيئًا لم يحدث.
استجمع عمر شجاعته، واقترب من الرجل وسأله بلهجة حذرة:
ـ سيدي، هل تعلم أين ذهبت السيدة التي كانت تجلس على الطاولة أمامك؟
رفع الرجل نظره إلى النادل وأجاب ببرود:
ـ لا أعلم، ربما ذهبت للبحث عن ظلها المفقود.
شعر عمر بقشعريرة تسري في جسده. حاول أن يتجاهل الشعور وأكمل عمله، لكن شيئًا ما في نظرات ذلك الرجل الغريب جعله يشعر بالتوتر.
في اليوم التالي، عُثر على جثة المرأة الشابة في زقاق خلف المقهى. كانت هناك علامات واضحة على العنف، لكن لم يكن هناك أي دليل على هوية الجاني.
واختفى ذلك الرجل الغريب منذ تلك الليلة، وأصبح يطلق على المقهى اسم: “مقهى الظل المفقود”.
وبعد مرور ثلاث سنوات على الحادثة، كان النادل عمر ينظف الطاولات في المقهى الذي أصبح خاليًا من الزوار.
2 / 2
وفي تلك اللحظة، دخل من الباب رجل يرتدي معطفًا أسود وقبعة. وقد تعرف عليه عمر فور دخوله.
حاول أن يصرخ، لكن الخوف علق في حنجرته، مانعًا صرخته من العبور. تسمر في مكانه، وكأن قوى خفية عطلت قدميه.
تقدم إليه الرجل بخطى بطيئة، والأرضية الخشبية المتهالكة تئن تحت قدميه محدثة صوتًا مرعبًا.
أيقن عمر أنها النهاية، وأن مصيره سيكون كمصير تلك المرأة. أغمض عينيه بخوف…مضت دقائق ولم يحدث شيء. وعندما فتح عينيه، لم يجد أحدًا أمامه. لقد اختفى الرجل، وترك على إحدى الطاولات ورقة صغيرة. أخذها عمر بحذر، واتسعت عيناه صدمة عندما قرأ تلك الكلمات:
“ستذهب قريبًا للبحث عن ظلك المفقود.”
