تداعيات الزمن ورهانات الوعي بالهوية
قراءة نقدية في رواية “شتاءات دمشقية” لــ أمان فائز جبري
بقلم د. محمد عبدالله الخولي/


ترتكز رواية ” شتاءات دمشقية” للكاتبة أمان فائز جبري، على السرد التاريخي لحقبة زمنية، لم تزل تعاني منها الهوية في فضائها الخارجي، وهكذا، على مستوى الداخل – الروائي، فالواقع لم يزل رهين صراع مرير بين وعيين، أحدهما يرث الهوية بعبقها التاريخي، والآخر، يمارس – من وجهة نظره – فعلا مضادا لهدم هذه الهوية؛ بغية أن يعيد بناءها وفق منظوره.
إن الذي يعني الناقد هو العمل الفني، دون النظر إلى اختلاف الرؤى حول متناحر عليه يخص شعبا بعينه؛ احتراما وتقديرا لكل الذوات المشكلة للهوية نفسها، ولذا، نبحر في عالم الرواية دون الخوض في أيديولوجيات فكرية أو عقائدية.
بداية، من العنوان “شتاءات دمشقية”، يحتل المكان حيّز العنوان بالكلية، فــ “شتاءات” وإن كانت تحيل إلى أزمنة متعددة، تتوالى على مكان بعينه، ولكنها، لا تكتسب شرعيّة وجودها في العنوان إلا بانتسابها إلى “دمشق”، فالمكان هو المانح للزمن هويته ودلالته، إذن، فالمكان هو المهيمن على العنوان وحده، فمرجع الدلالة العنوانية مرتهن بدمشق، باعتبار الأخيرة مجازا مرسلا علاقته الجزئية، فوجود “دمشق” يعادل (عن طريق المجاز المرسل) الهوية الأم/ الكلية المختزلة في كيان سوريا.
تحيل مفردة “شتاءات” إلى أزمنة غير آمنة، فاستقراء العنوان من خلال المتن الروائي، يجعل مفردة “شتاءات” تتوزع على معان كثيرة، ومنها: التغرب، الغربة، الهجرة، التهجير، البعد، التشتت، الخوف، القلق، الانطواء، وهذا يعني أنّ هذه الأزمنة “شتاءات” استحالت إلى أزمنة نفسية، تعبر عن قسوة التجربة.
تمنح الروائية أمان فائز جبري البطولة للمكان، بوصفه حاملا للهوية، وتجعل من الأخيرة موضوعا، ينبني عليه العالم السردي للرواية، فنحن أمام رواية تتمثل الهوية في عالمها السردي، وتتمظهر بتجليات مختلفة، وكأنّ العنف الذي مورس على الهوية، وعمل على تحطيمها، يقابله فعل مضاد – بالكتابة – في عالم السرد، فإن كان الخارج/ الواقع مارس عنفه وحطم/ هشم الهوية، فالروائية – باعتبار الكتابة فعلا مضادا للواقع – تعيد بناء الهوية من جديد في العالم السردي، ولذا، تمظهرت الهوية عبر أيقونات ناقلة/ حاملة للهوية السورية، فقد تشظّى الياسمين “الدمشقي” في بنية الرواية واختلجها من البداية إلى النهاية، فمنذ الصفحات الأولى و”الياسمين” يخاتل القارئ بتجليات وعبق الهوية السورية، وفي النهاية ظل “الياسمين” امتدادًا للهوية وميلادًا جديدًا لها، حيث انولدت “ياسمين” ابنة “صبا”، وكأنّ ميلادها انبعاث للهوية من جديد، هوية لا تعرف الاجتثاث/ البتر، ويكأنها العنقاء، كلما احترقت عادت من جديد، فــ “ياسمين” ابنة “صبا” – بوصفها رمزا، يحمل شحونات دلالية – ليست هوية منفصلة – بميلادها الجديد-، ولكنها الهوية الأم التي عادت بماهيتها/ كينونتها متجسدة في “الياسمين”
ومن الرموز الأيقونية – التي ارتكزت عليها أمان جبري -: “جبل قاسيون” الذي يحمل شحونات دلالية، تتوزع على الحضاري، والتاريخي، والعقائدي، والهووي، فــ “جبل قاسيون” يحمل إشارة على جريمة القتل الأولى في العالم الإنساني، بين الأخوين: (هابيل- قابيل)، وهذا يحيل – بدوره – إلى عملية التناحر التي تشهدها الرواية، بوصف الأخيرة مرآة يتجلى عليها الواقع السوري.
كما ارتكزت الكاتبة على التوصيف السردي للبيوت، حيث توغلت عن طريق الوصف، لأدق تفاصيل البيوت السورية، وما تحمله من شحونات دلالية وشعورية تتجلى بينهما الهوية، ولكن، لا يتوقف التوصيف السردي عند حدود تجليات الهوية فحسب، ولكن تحمل هذه التجليات وميض حنين الذات (عبر التوصيف المتقن)، لفكرة البيت عندما يكون جزءًا ممثلا للهوية الحاضنة للذات، فما قيمة البيوت، عندما يتهدد أهلها وساكنوها، وكأنّ التوصيف السردي للبيوت، يضمر في بنية اللغة وصفا متخافيا للهوية، ومن هنا يتحول (التوصيف السردية للبيوت) لبنية مجازية/ استعارية تحيل – في عموميتها – إلى حنين الذات المشتتة إلى ضمانات الهوية وأمانها المتجسدين في أيقونة “البيت”، ولعلّ الذي سوّغ هذه المعادلة الاستعارية، ما تحمله مفردة البيت من حمولات معجمية وتداولية.
ارتحالات الهوية والمكان:
الهوية أكبر من حدود المكان، وإن كان الأخير حاملا/ مجسدًا لها، ولكن، الهوية لا تُحيّز بمكان، ولا يُمارس عليها الزمن سلطته، فهي جوهر متخافٍ في النفس البشرية، يعيه الإنسان ويحارب من أجله، فوجود الإنسان مرتهن بالقبض على الهوية، ولذا، ارتحلت الهوية – مخترقة حدود الحيز الطوبوغرافي – مع الذوات التي تعي معنى الهوية، كما نصت على ذلك رواية “شتاءات دمشقية”، من خلال عقد مقارنات بين المكانين: المرتحل منه والمرتحل إليه، فقد قارنت الذات المغتربة – قسرا – بين دمشق ولندن، بين مشاهد “قاسيون” وجبال تركيا، بين طبيعة دمشق وجمال إسبانيا، ومن خلال عقد هذه المقارنات – بين مكان يحمل سر الهوية، وآخر يحتوي الذات في رحلة تشتتها – يتبدّى للقارئ ارتحال الهوية، وكأنها تمارس عملية هروب هي الأخرى، وتحتمي بالذات التي تعرف سرها وكينونتها، فلم يندغم/يندمج السوري مع الأماكن الجديدة، ولكنه، ظلّ عائشا في ظلال هويته، وقد ارتكزت أمان جبري على جمل سردية عبقرية، تدل على تشتت الذات وارتحالات الهوية معها، ومن هذه الجمل – التي تحمل فيضا من شعوريات الانكسار والحنين – جملة “العكاز”، تلك الجملة التي قالها “رشاد؛ فهو في بلاد غريبة يرتكز على عكاز، بينما لم يكن في حاجة إليه وهو عائش في دمشق، وهنا أسلوب كنائي منطمر في بنية السرد، فالعكاز يحيل – عن طريق التحليل – إلى “دمشق” فعكاز كل إنسان وطنه، وما الأخير سوى تجسيد للهوية، وعندما مورس على الأخيرة العنف، وهُجِّرت الذات – قهرا – احتاجت إلى عكاز معادل، يعوض انكسار الذات حال تغربها.
ديالكتيك الزمن والهوية/ فضاءات المكان:
لمفردة “شتاءات” امتداد من العنوان حتى المتن الراوئي، فتلك المفردة التي تحمل في طياتها دلالات نفسية عميقة، انفلتت من العنوان وتشظّت داخل العالم السردي، ولذا، يتمثل الصراع في الرواية بين الزمن (شتاءات)، والمكان (الهوية)، ويتصاعد هذا الصراع ويصل إلى أقصى درجة ممكنة، بين الزمن والهوية، فكلاهما يشكل حركة مضادة تجاه الآخر، فتداعيات الزمن – وما يحمله الأخير من تغييرات طارئة على طبيعة المكان – يهدد الهوية محاولا اجتثاث جذورها، والهوية – من خلال شعور الذات بماهيتها – تمارس حركة مضادة ترسخ من وجودها وتجذرها في الذات والمكان على حد السواء، فالبراح/ الأماكن التي التجأت لها الذات، ضاقت عليها مع سعتها، بينما اتسع “السجن” – مع ضيقه – وتحول إلى فضاءات متعالية للهوية، فعندما قبعت الشخصية المأساوية”جلال”، في غياهب السجن، لم يثنه الأخير عن حلمه بهويته/ وطنه، فلم يكن السجن حجابا مانعا، بل كان معراجا ولج “جلال” من خلاله إلى عالم الحرية وفضاءاتها، فشعوره بمضامين الهوية وقداسة الوطن مكَّنه من كسر أسوار السجن (معنويا)، والتحليق في سماء الحرية، بل كان يستدعي الحلم – بوصفه زمنا غير مشروط بقانون الواقع – ليلتقي بعالمه الممكن عن طريق الفتاة “سلمى”، والتي ترمز إلى سلامة الوطن، وجلال الهوية، وتحقق الأمن، وبزوغ شمس الحرية مهما طال ليل المكابدة، في فضاء السجن تلاشت العصبيات الدينية والنعرات العقائدية، وأصبح الجميع متوحدا تحت راية الوطن وظلال الهوية الأم.
الصوت “السردي” وتحولات الشخصية:
كل شخصية – في العالم السردي – تمثل وعيا مغايرا، ولا تكتمل سردية إلا من خلال وعيين متناحرين على قضية، أو موضوع، أو رؤية، فالصوت – من منظور باختين – في العالم السردي يمثل الوعي، ولا يعرف وعي الــ (أنا) إلا من خلال عي الــ (أنت)، فالشيء لا يعرف بالمماثل، ولكن بالضد، والتقاء وعيين في العالم السردي يُحمّل الرواية “سؤالا” يجيب عنه الصراع بين هذين الصوتين(الوعيين)، فلا تصل الرواية إلى فضائها الإنساني، إلا من خلال عرض وعيين مختلفين؛ فالرواية التي تحمل وعيا واحدا، وتُحَيِّدُ الآخر، لا تخاطب الإنسانية – في عموميتها – بل تخاطب فئة بعينها، ولعل الذي كتب الخلود لروايات “دستويفسكي” اعتنائها/ارتكازها على تزاحم الأصوات (الشخصيات) في عالم الرواية، فليست الشخصية عند “دستويفسكي” إلا حاملة لوعي مغاير للشخصية الأخرى، ومن خلال اختلاف الوعيين تتصاعد دراماتيكية الأحداث؛ فتنازع وعيين في البنية – شريطة أن يكون أحدهما مُعَرِّفَاً للآخر – يمنح الرواية خلودها.
في رواية “شتاءات دمشقية” تحمل كل شخصية وعيها/فكرها الخاص، ومن خلال عملية التحليل، نستطيع أن نوزع الشخصيات – في رواية شتاءات دمشقية – على نمطين: الأول، يحمل جوهر الهوية وأمانتها، ويمثل النمط الأول “أسرة رشاد”: رهف، جلال، فهد، صبا…، وتحمل هذه الأسرة وعيا مغايرا (محافظا على جلال الهوية)، بينما يمثل النمط الثاني “فادي وأسرته”، تلك الأسرة التي استعلت بسلطتها، ومارست عنفها على الذات والوطن، إذن، نحن في صراع بين وعيين، وليس صراعا بين شخصيات، إذا اعتبرنا الأخيرة حاملة للوعي، وليست مجرد شخصيات ينبني عليها العالم السردي فحسب، فكل شخصية تسهم في تأجيج نار الصراع، تحمل وعيا/فكرا مغايرا، يريد محو الآخر وتحطيمه، وتتبدى تمظهرات المحو في حركية “أسرة فادي” في عالم الرواية، بينما أسرة “رشاد” لا تريد محو الآخر، بل تسعى إلى عملية انصهار الوعيين في بوتقة الوطن الواحد، فنحن بين وعيين: الأول، يمارس التدمير، والثاني، يحاول التطهير. إن تمظهر الوعيين في “شتاءات دمشقية”، تبدّت من خلاله مضمرات الذات، واستطاع القارئ أن يوازن بين حركتي: (التدمير – التطهير)، وتعرَّف على وعي الــ (أنا)، من خلال مكاشفة وعي الـ (أنت).
في النهاية – ومن وجهة نظر خاصة – أستطيع القول، أن رواية “شتاءات دمشقية”، تحمل في طياتها مرحلة تاريخية خطرة، تتهدد فيها الهوية والذات على حد السواء، استطاعت أمان فائز جبري، أن تعيد بناء الهوية من خلال الصراع المتنامي بين وعيين مختلفين، لا من خلال شخوص بعينها، فلم تكن أسرة “رشاد”، سوى أسرة تمثل الأنا(الجمعي)، الذي يعرف للهوية قدرها، وللوطن مكانته، ولم تكن أسرة “فادي” سوى فيروس أو مرض يهدد جسد الهوية، فاحتدم الصراع بين الوعيين، لا بين الشخصيات، فالأخيرة لا تمثل سوى عملية تجسيد للصراع الدائر بين فكرين/ رؤيتين. لم تستخدم الروائية لعبا سردية، أو تبني عالما مجازيا/ استعاريا نستقرئ من خلاله الواقع، ولكنها، قامت بالتسريد شبه المباشر، ولم ترتكن إلى عملية التخييل السردي، ربما، لطبيعة المأساة/ التجربة، التي تعانيها الذات والوطن على حد السواء، فالتجربة هي التي تفرض على السارد العالم النصي الذي يتواءم مع شعوريات الذات. استطاعت الرواية – مع قصرها – أن تستجلي غوامض الواقع، وتكاشف مضمراته على مرايا السرد.
