الدراما الجزائرية… بين وهم الصورة وسلطة الوعي–
بقلم الصحفي والفنان بوبكر بلعيد/

تتجدد النقاشات حول الدراما الجزائرية كل عام مع حلول شهر رمضان، وكأن هذا الشهر تحوّل إلى مختبر سنوي يُعرّي ملامح الصورة الجزائرية في الفنّ والتفكير والذوق. فبين ما يُعرض على الشاشة وما يُحاك في كواليس الصناعة، تتجلى أزمة الدراما عندنا كأزمة مجتمع بأكمله، أزمة وعي قبل أن تكون أزمة فنّ.
لقد كانت الدراما الجزائرية في بداياتها حلمًا ثقافيًا يطمح إلى بناء هوية بصرية تُجسّد الإنسان الجزائري في صدقه وتناقضاته، لكنها اليوم تبدو كمن يبحث عن نفسه في مرايا الآخرين. فالقنوات العمومية، بثقلها البيروقراطي، وأجهزتها المترهّلة، لم تُقدّم مشروعًا فنيًا وطنيًا بقدر ما كرّست الروتين والرداءة. وحين انفتح الباب أمام القنوات الخاصة، ظنّ الناس أنّ الفجر اقترب، غير أن الانفتاح تحوّل إلى فوضى بلا بوصلة، فاستنسخت الرداءة بوجوه جديدة، واستبدلت المعنى بالسطح، والسيناريو بالارتجال، والفن بالصفقة.
إنّ نجاح العمل الدرامي لا يُقاس بنسب المشاهدة المرتفعة، بل بالوعي الذي يُحدثه في المتلقي، وبالقيمة المضافة التي يحققها العمل من ناحية الموضوع والمعالجة والقيمة الفنية. الدراما الحقيقية لا تُلهي الناس، بل تُنيرهم. لا تُخدّرهم، بل تُوقظ فيهم السؤال. أما حين تتحوّل الشاشة إلى مرآة مبتذلة تكرّس الجهل والسطحية، فإنها تصبح أداة نفي للوعي بدل أن تكون مساحته الخصبة.
لكن الأخطر من الرداءة الفنية، هو الرقابة الثقافية والاجتماعية التي تخنق الفنّ في مهده. فليست المشكلة في الانتقاد الأخلاقي بحد ذاته، بل في الطريقة التي تستجيب بها السلطة لذلك الصوت المحافظ الذي يرفض التجريب والاختلاف.
وقد رأينا ذلك جليًا في السنوات الأخيرة، حين سارعت وزارة الاتصال إلى تشكيل “لجنة المتابعة واليقظة” لمراقبة محتوى القنوات خلال شهر رمضان، والتي رفعت تقاريرها لتشير إلى “الخروقات” المزعومة: لقطات صامتة لا تليق بالشهر الفضيل، مشاهد عن المخدرات أو الخمر تُعدّ “ترويجًا للانحراف”، غياب “الإبداع الفني” في معالجة المواضيع، وغيرها من الملاحظات التي تكشف عن خلط خطير بين الأخلاق كقيمة، والرقابة كسلطة.
إنّ هذا النوع من الرقابة القبلية والبعدية، سواء من طرف الدولة أو المجتمع، يُصادر حرية الخيال، ويحوّل الفنان إلى موظف أخلاقي لا مبدع جمالي. فحين يُفرض على الدراما أن تكون وعظًا دينيًا أو إشهارًا للفضيلة، تفقد جوهرها كفنّ يُضيء العتمة بدل أن يهرب منها.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هناك بعض البوادر الإيجابية التي تُبشّر بميلاد مشهد أكثر وعيًا في المستقبل: ازدياد الإنتاج، توسع القنوات، جرأة بعض الشباب في الكتابة والإخراج. لكن هذه البوادر ستظلّ حبلى بالاحتمال فقط، ما لم تتحرّر الدراما الجزائرية من سطوة السوق، ومن خوفها المزمن من المجتمع والسلطة معًا.
إنّ الدراما هي المرآة التي يرى من خلالها المجتمع روحه العميقة. وإذا كانت هذه الروح مكسورة، فإنّ الصورة لن تكون إلا انعكاسًا للتشظي.
وحين نفهم أن الفن ليس ترفًا ولا لهوًا، بل ضرورة وجودية تخلق وعيًا جديدًا، سنكتشف أن معركتنا مع الرداءة ليست معركة تذوق فني فقط، بل معركة على الوعي نفسه.
فالدراما التي نحتاجها اليوم هي التي تطرح الأسئلة لا الإجابات، وتُربك السكون لا تُرضيه. هي التي تمنح الجزائريين القدرة على النظر إلى أنفسهم بعمق، لا على التسلية بأوجاعهم.
وحين تصل الدراما إلى تلك اللحظة، ستتحرر الصورة، وسيتحرر معها الوعي…
وستولد الجزائر من جديد، من رحم الفنّ.
