سَكِينةُ المُمتَلئِ

بقلم أسامة عكاشة/



ثمة فرقٌ واسعٌ بين من يملأ الفراغَ حوله وبين من يملأ فراغَهُ في داخله؛ فالأول لا يفتأ يلهثُ وراءَ تصفيقٍ عابرٍ يوقظُ فيه وهمَ الوجود، والثاني وجدَ نفسه فاستغنى بها عن العالم، فصارَ العالمُ في نظره زائلًا لا يستحقُّ أن يُقلقَ عليه قلبًا امتلأ بالسكينة.

الإنسان الممتلئ لا يرفعُ رايةَ ذاته، ولا يتخذ من كلِّ موقفٍ منبرًا ليُسمِعَ الناسَ صدى نفسه، لأنَّه يعلم أنَّ القيمةَ لا تُنالُ بالصوتِ العالي، بل بثباتِ الحضور. هو كالنهرِ العميقِ الهادئ، يجري في الأرض دون أن يصنعَ لنفسِه ضجيجًا، يحملُ الحياةَ في مجراه، ويسقي القلوبَ كما يسقي الحقول، لا ينتظرُ شكرًا ولا يُحصي الأثر.

إنَّه إنسانٌ استوى في داخله الميزانُ، فَعرفَ قدرَ نفسهِ دون إفراطٍ ولا تفريط. لم يعد أسيرَ نظرةِ الآخرين، ولا عبدًَا لمدحٍ أو ذمٍّ، لأنَّ اليقينَ الذي يسكنه أغناهُ عن أن يستمدَّ قيمتَه من الخارج. فإذا تحدَّثَ لم يكن حديثُهُ استعراضًا، بل إشراقةً من صفاءِ روحه. وإذا سكتَ، كان سكوتهُ أبلغَ من الكلام، لأنَّ صمتهُ يحملُ ما لا تحمله الخطبُ الطوال.

الممتلئ لا يُقارنُ نفسهُ بأحد، لأنَّه يعلمُ أنَّ المقارنةَ ابنةُ الشعورِ بالنقص، وأنَّ كلَّ إنسانٍ يسيرُ في دربٍ لا يُشبهُ دربَ غيره. يرى أنَّ الله قد قسَّمَ الموهبةَ كما قسمَ الرزق، فلا يُزاحمُ أحدًا فيما وهبه اللهُ لغيره، بل يُنمِّي ما أوكل إليه. إنَّهُ يدركُ أنَّ الميدانَ الحقيقيَّ للسباق هو النفسُ، وأنَّ انتصارهُ الأكبر هو أن يكونَ اليومَ خيرًا من أمسِه، لا أن يتفوَّقَ على سواه.

ولأنَّهُ قد امتلأ من الداخل، فهو لا يسعى إلى إشباعِ جوعٍ عاطفيٍّ أو عطشٍ للظهور. لا يستجدي نظرةَ إعجاب، ولا يتسوَّلُ كلماتِ الإطراء. إنَّه يزرعُ في صمتٍ، ويؤمنُ أنَّ الثمارَ لا تحتاجُ إلى إعلانٍ حينَ تنضجُ؛ فرائحتها وحدها تكفي لتدلَّ عليها.

الممتلئُ يعيشُ في سكينةٍ عجيبة، لا تهزُّها فوضى الأيام، ولا تُطفئها رياحُ النقد. تراهُ إذا أصابَهُ خيرٌ حمدَ، وإذا نزلَ به بلاءٌ صبرَ، لأنَّهُ قد تذوَّقَ طعمَ التسليم. يدركُ أنَّ ما يُصيبُهُ مكتوبٌ له لا عليه، وأنَّ كلَّ موجةٍ في بحرِ الحياةِ تحملُ له درسًا جديدًا في الرضا.

وقد رتَّب هذا الإنسانُ فوضى أفكاره، فهدأ وجهُهُ واطمأنَّ نظرُه. لا تراهُ متوتِّرًا في الجدل، ولا مستعجِلًا في الردّ، لأنَّه يعلمُ أنَّ الكلمةَ حين تخرجُ من نفسٍ مضطربةٍ تكونُ شرارةً، أمَّا إذا خرجت من قلبٍ ساكنٍ فهي نور. لذلك تراهُ إذا نطقَ، نطقَ بالحقِّ في غيرِ عنف، وإذا خاصمَ، خاصمَ بميزانٍ من العدل، وإذا عفا، عفا بصفاءِ مَن لم يعُد يرى في الأذى سوى امتحانٍ لصبره.

هو إنسانٌ يُشبهُ الشجرةَ المثمرة: لا تلتفتُ إلى من رماها بالحجارة، بل تُساقطُ عليه من ثمرها، وتستظلُّ به إن اشتدَّ الحرّ. تنمو بصمتٍ في أعماقِ الأرض، تمدُّ جذورها إلى العمقِ حيثُ لا يراها أحد، لكنها هناكَ تستمدُّ سرَّ حياتِها من الخفاء. كذلك الممتلئ، لا يعيشُ في الأضواء، بل في عمقِ التجربةِ الإنسانية، في مكابدةِ النفس، وفي ترويضِها حتى تأنسَ بطاعةِ الحق.

وهو لا يُكثرُ من الكلام، لأنَّه لا يريدُ أن يُبرِّرَ ما هو ثابتٌ في يقينه. لا يُجادلُ لإقناعِ الناسِ بما آمنَ به، لأنَّ الإيمانَ حين يستقرُّ في القلبِ لا يحتاجُ إلى تبرير. كلُّ ضجيجٍ حوله يبدو صغيرًا أمام صمته، وكلُّ ضوءٍ زائفٍ يخبو أمام بصيرته.

حين تنظرُ إليه تظنُّ أنَّهُ لا يسعى، لكنه في الحقيقةِ يسعى بخطواتٍ واثقةٍ في طريقٍ لا يراهُ إلا هو، لأنه رسمهُ بينهُ وبين ربِّه. ليسَ كسولًا، بل متروٍّ؛ ليسَ زاهدًا في الحياةِ بمعناها السلبيّ، بل عامرٌ بها بمعناها العميق. يرى أنَّ السعيَ في الأرضِ عبادة، وأنَّ الإتقانَ صمتُ الشكر، وأنَّ العملَ الهادئَ أشرفُ من الحماسِ الفارغ.

الممتلئُ لا يُفتنُ بالمظاهر، لأنَّهُ يدركُ أنَّ الوجوهَ الجميلةَ قد تخفي أرواحًا خاوية، وأنَّ الثرثرةَ لا تصنعُ فكرًا، كما أنَّ الصراخَ لا يُنبتُ الحق. لذلك تراهُ متواضعًا من غيرِ تكلُّف، عاليًا من غيرِ تكبُّر، قريبًا من الناسِ لكنه لا يتكئُ عليهم، لأنَّهُ وجدَ سندهُ في داخله.

هو صاحبُ قلبٍ عامرٍ باليقين، يبتسمُ حين يشتدُّ البلاءُ، ويصمتُ حين يعلو اللغوُ، ويُقبلُ على الناسِ بودٍّ لا رياءَ فيه. لا يسرقُهُ الغضبُ من نفسه، ولا يُغرّيهِ المدحُ عن صراطِه. فإذا رأيتهُ ظننتَ أنَّهُ لا يُبالي بالدنيا، والحقيقةُ أنَّهُ يبالي بها بقدرِ ما تبلّغُه إلى الحق، لا أكثر.

الممتلئُ يعلمُ أنَّ القيمةَ الحقيقيةَ ليست فيما يُقالُ عنه، بل فيما يُقالُ له عندَ ربِّه. لذلكَ يعيشُ مراقبًا لنفسه أكثر من مراقبتِه للناس، يخافُ من خفاءِ العيبِ أكثر من علانيته، ويطلبُ صفاءَ القلبِ قبلَ صفاءِ الصورة.

وفي زمنٍ امتلأت فيه الدنيا بالضجيجِ والمقارنات، وصارَ الناسُ يزنونَ ذواتهم بعددِ المتابعين، يبدو الممتلئُ غريبًا، بل قد يُظنُّ بليدًا أو منسحبًا. غير أنَّهُ في الحقيقةِ قد تجاوزَ مرحلةَ الصراعِ مع الخارج، ليعيشَ معركتهُ الأسمى مع الداخل، مع نفسه، مع رغباته، مع كبريائه. وهو إذ ينتصرُ هناك، يصبحُ سيدًا على نفسهِ، لا عبدًا لانفعالاته.

ذلك هو الممتلئُ حقًّا: من امتلأ قلبُهُ بمعرفةِ نفسه، فاستغنى عن تصفيقِ العالمِ كلِّه، ومن ملأ وقتهُ بالخيرِ والسكينةِ حتى لم يبقَ فيه متسعٌ للقلق. هو الإنسانُ الذي يعيشُ الحياةَ في عمقِها، لا في سطحِها، في معناها لا في مظاهرها، في جوهرِها لا في صخبها.

فإذا نظرتَ إليه، رأيتَ فيه ملامحَ الطمأنينةِ التي يفتقدها الناسُ في زمنِ العجلة، وسمعتَ في حديثِه نغمةَ صدقٍ تُنصتُ لها الأرواحُ قبلَ الآذان. إنهُ الدليلُ الصامتُ على أنَّ العظمةَ لا تصرخ، وأنَّ الامتلاءَ الحقيقيَّ لا يُرى… بل يُحَسّ.