صمتٌ في مدينة الضجيج
بقلم عبد العالي لعجايلية /



في زاويةٍ معتمةٍ من مقهًى يعجّ بالحياة، جلستُ كأنني قطعةُ ظلٍّ انفصلت عن جسدٍ تاه في زحمة الأجساد.
كانت الطاولات تتماوجُ بالوجوه، والضوء يتساقط من المصابيح كحروفٍ مكسورةٍ لا تكمل جملتها.
ضحكاتٌ تتناثر كزجاجٍ متهشّم، موسيقى تتلوّى كأفعى من معدنٍ صدئ، فناجينُ تتصادمُ كأجراسٍ بلا صلاة، وكلماتٌ تتكاثر حتى لتبدو غبارًا لغويًّا يملأ الهواء.
كلّ شيءٍ كان يعلو… إلّا المعنى.

كنتُ أجلس هناك، أراقب العالم من وراء ستارٍ من شرودٍ ناعم.
أسمعهم ولا أسمعهم، أراهم ولا أراهم.
كلُّ صوتٍ يحاول أن يكون الأعلى، كأنّهم جميعًا يتنازعون على بقايا إصغاءٍ ضائع.
في تلك المدينة التي لا تنام، شعرتُ أن الصمت أصبح عملةً نادرة، وأنّ من يصغي يُتَّهم بالشرود.
لكنّي كنتُ أبحث عن شيءٍ آخر، عن نغمةٍ لا تجرح الأذن بل توقظ القلب، عن همسٍ يعيد ترتيب الفوضى في داخلي.

وفجأة… انشقّ الضجيج عن ومضةٍ من صدق.
صوتٌ مختلف، لا يطلب السمع، بل يمنحه.
كان كنسمةٍ تتسلّل خلسةً بين صراخ الأمواج، أو ككلمةٍ عائدةٍ من منفى بعيد.
شعرتُ برعشةٍ خفيفةٍ تسري في دمي، كأنّني سمعتُ شيئًا نسيته قبل أن أُخلق.

رفعتُ بصري أبحث عن المصدر، فإذا هو رجلٌ مسنٌّ يجلسُ وحيدًا في الركن الأقصى، كجبلٍ يرفض الانهيار.
انحنى على عوده القديم كما ينحني الوقت على ذاكرته، وكانت أصابعه المرتجفة ترسمُ على الأوتار خريطةَ صبرٍ لا يشيخ.
لم يكن يعزفُ ليستعرض، بل ليبقى موجودًا.
كلُّ نغمةٍ كانت تنهض من رمادٍ ما، وكلُّ ارتجافةٍ على وترٍ كانت تقول: “ما زلتُ هنا”.

اقتربتُ منه، كمن يُقاد إلى طهارةٍ مجهولة.
جلستُ أمامه، والضجيج من حولي بدأ يخفت كما تخفت المدينة حين تمرّ فيها الصلاة.
قلتُ له بصوتٍ خافتٍ كدهشةٍ خجلى:
«لماذا يبدو صوتك مختلفًا عنهم؟»

رفع رأسه ببطء، كأنّ عمرًا كاملًا كان يثقل عنقه، ونظر إليّ بعينين يشبه بريقهما المطرَ الأول.
ابتسم ابتسامةً لم تكن مجرّد انحناءةِ شفاه، بل كانت نجاةً من الغرق، وقال:
«لأنهم يحاولون أن يُسمِعوا الناس… وأنا أحاول أن أسمع نفسي.»

كانت الجملة كشرارةٍ أصابت قلبًا مبتلًّا.
شعرتُ أن شيئًا انكسر في داخلي — انكسر لأُبصر.
تغيّر كلّ شيءٍ في اللحظة ذاتها:
الضجيج لم يعد ضجيجًا، بل اعترافًا جماعيًّا بالفراغ،
الوجوه لم تعد وجوهًا، بل أقنعةٌ تستر خواءها بالابتسام،
والكلمات صارت ظلالًا لكلماتٍ لم تُقل بعد.

أدركتُ أنّ الضجيج لا يسكن الأماكن، بل القلوب التي تخاف أن تصمت.
ذلك الشيخ لم يكن يعزف لحنًا… بل كان يعزف صمته، وكان الصمت أجمل من كلّ موسيقى.

خرجتُ من المقهى، والليل يمدّ ذراعيه كأبٍ يغفر لتائه.
كانت المدينة تلمع كمعرضٍ للأنوار المستهلكة، لكن في داخلي كان ضوءٌ آخر يولد:
ضوءٌ لا يُرى، لأنّه لا يأتي من الخارج.
سرتُ بين الأرصفة التي تتثاءب، والأبواب المغلقة التي تحرس أسرارها، والريح تحمل في نبرتها شيئًا يشبه الغناء.
كنتُ أسمع كلّ شيءٍ من جديد:
صوت الريح في الشوارع، أنين المصابيح، حفيف الخطى، صمت الحجر…
كلّها كانت تشارك في عزفٍ واحدٍ لا يسمعه إلّا من تخلّى عن نفسه ليستمع.

وفي منتصف الطريق، توقّفت.
نظرتُ إلى السماء، كمن ينصت إلى جهةٍ لا مكان فيها، وقلتُ في داخلي:

كم من الأصواتِ الصادقة عبرت حياتي دون أن أسمعها؟
كم من نداءٍ للحقيقة غرق في ضجيج اليوميّ، وأنا أحسبه عابرًا؟
كم مرّةٍ عزفت الحياة لحنها العظيم، بينما كنتُ أصفّق للصخب؟

أغمضتُ عيني، وتركْتُ قلبي يصغي.
لم أسمع شيئًا… ومع ذلك، كان في الصمت موسيقى كاملة.
حينها فهمتُ أنّ الصمت ليس نقيضَ الصوت، بل مبدأه.
وأنّ الإصغاء الحقّ ليس للأصوات من حولنا، بل للّحن الذي يعزفه الوجود فينا.

منذ تلك الليلة، لم أعد أبحث عن الأصوات التي تملأ المكان،
بل عن الصمت الذي يملأ المعنى.