إما أن تطير حراً أو تعيش أسيراً–
بقلم عزيز بوزيدي/

أمسكتُ بالعصفور صدفةً في صباحٍ رائقٍ من صباحات العالم.
كان جميلاً كأنما انبثق من نغمةٍ سقطت من الجنة، تلمع عيونه كقطرتين من ضوءٍ نقيّ، وريشه يفيض بما يشبه الخلود.
قلت في نفسي: هذا مخلوق لا يليق به الغبار ولا العراء، سأمنحه قفصًا من ذهب، أطعمه من فتات النور، وأحميه من البرد والريح.
اشتريت له قفصًا فخمًا، مرصعًا بالذهب، تليق به الملوكية التي في عينيه، وجئته مبتسمًا كمن يمنّ على الحياة بهدية.
لكن حين هممت أن أضعه فيه، تكلم.
تكلم بصوتٍ هادئٍ، كأنه صادرٌ من جهةٍ لا يطالها الزمن.
قال:
أيها الإنسان، كم أنتم غريبون في محبتكم!
تريدون أن تكرموا الجمال بسجنه، أن تصونوا الحياة بخنقها، وأن تمنحوا الحرية قيدًا من ذهب.
صمتُّ، وقد دهشتُ من لسانه ومن منطقه.
قال ثانيةً:
أتدري ما معنى القفص؟
القفص ليس أسواره، بل فكرته.
أن يُمنح المخلوق سقفًا وحدودًا، ويُقال له: “هنا أمانك”، تلك هي بداية الموت.
الذهب لا يبدّد السجن، بل يلمّعه، فيظن السجين أنه ملك.
نظرتُ إليه، وقلت:
– لكنني أريد لك الأمان، يا طائر الجنة، أريد أن أحميك من الجوع والبرد والوحوش.
ضحك وقال:
يا صاحبي، الجوع الذي أختاره خيرٌ من الشبع الذي يُفرض عليّ،
والموت في الفضاء أكرم من الحياة في القفص، ولو كان القفص قصرًا من نور.
تقدّم نحوي، حتى شعرتُ أن صوته يسكن صدري لا أذني:
أنتم البشر تصنعون القفص في كل شيء.
تحيطون الأرض بالأسلاك ثم تقولون: “هذه أوطان”.
تقسمون الناس بالألوان والعقائد، ثم تقولون: “هذا النظام”.
تخلقون آلهةً من سلطةٍ وجغرافيا، ثم تسجدون لها باسم القانون.
أما نحن الطيور، فلا نعرف من الأرض إلا أنها واحدة، ومن السماء إلا أنها بيتنا جميعًا.
كنتُ أسمعه وكأنني أسمع اعترافًا من ضمير العالم.
قلت له مترددًا:
– ولكن يا طائري، أليست الحرية خطرًا؟ أليس في الانفلات هلاك؟
ابتسم وقال:
الخطر جزء من الوجود، أما الأمان الكامل فهو قناع الموت.
أن تكون حرًّا يعني أن تختار طريقك حتى لو كان مملوءًا بالهاوية.
الحرية لا تُوهب، بل تُكتشف، وحين تُكتشف، لا يعود في القلب موضع لخوفٍ أو لسيّد.
ثم أطرق قليلًا، وقال بصوتٍ كأنه نَفَس العالم القديم:
إنكم لم تفهموا بعد أن الأرض لا تُقسم، وأن السماء لا تعرف الحدود.
كلما رسمتم خطًا على الرمل، سال عليه الدم.
لو لم تكن الجغرافيا، لما كان الطاغية، لأن الطاغية لا يعيش إلا إذا حُبس الناس تحت خرائطه.
حرّروا الأرض من الخطوط، والإنسان من الهويات، عندها فقط ستنتهي الحرب، وينتهي الجوع، وينطفئ القهر من تلقاء نفسه.
اقتربتُ منه، وقلتُ
– وماذا أفعل أنا؟ ما نصيبي من هذا الإدراك؟
قال:
حرّر من حولك أولًا. لا تملك، لا تُكره، لا تحكم.
أعطِ الحرية لغيرك كما تعطي الماء للعطشان.
من يحرّر أخاه يصبح حرًّا، ومن يستعبد أخاه يضع السلاسل في عنقه هو.
صمتَ العصفور، وكان الصمت أثقل من الكلام.
ثم خفق بجناحيه، وطار.
لم يمنعني أحد، ولم أمدّ يدي إليه.
كان في تحليقه معنى لم أستطع أن أكتبه إلا في قلبي.
منذ ذلك اليوم، لم أعد أرى القفص ذهبًا، ولا الجغرافيا حدودًا، ولا الوطن مساحةً على خريطة،
بل رأيتُ أن الحرية هي الوطن الوحيد الذي لا يُغلق بوجه أحد.
ومن لا يؤمن بحرية غيره، سيظل عبدًا، ولو كان سيد العالم بأسره.
