المرأة في المشهد الثقافي العربي… بين الإبداع والتمثيل الرمزي–
بقلم الصحفي والفنان بوبكر بلعيد/

في المشهد الثقافي العربي، تظلّ المرأة علامةً تتأرجح بين الذات المبدعة والرمز المُمثَّل، بين من تُنتج الخطاب ومن تُستَعمل صورتها داخله. هي كينونةٌ تسعى منذ عقود إلى الانتقال من موقع «الملهمة» إلى موقع «الفاعلة»، من حدود الصورة إلى فضاء القول، من الجمال بوصفه شكلًا إلى الجمال كقيمةٍ ووعيٍ وحرية.
لقد ظلت الثقافة العربية، في جزءٍ كبير منها، تُعيد إنتاج حضور المرأة ضمن أنساق رمزية جاهزة: الأم، العاشقة، الوطن، الأمل… وكأنها لا تُرى إلا من خلال استعارات الذكورة. غير أن الإبداع الحقيقي يبدأ حين تكتب المرأة ذاتها بنفسها، حين تصبح الكلمة امتدادًا لوعيها لا مرآةً لخيال الآخر. فكل نصّ تُبدعه امرأة هو فعل مقاومة ضدّ الاختزال، وتمرد على القوالب الجمالية التي تحبسها في موقع المتلقّية أو الملهمة الصامتة.
منذ فدوى طوقان ونوال السعداوي إلى أحلام مستغانمي وهدى بركات، عبّرت المبدعات العربيات عن وعيٍ أنثويٍ جديد لا يطلب المساواة فحسب، بل يؤسّس لمعنى آخر للحرية: حرية أن تكون المرأة إنسانةً كاملة في اللغة والفكر والفن. هذا الحضور الأنثوي ليس مجرّد «صوت» إضافي في الجوقة الثقافية، بل تحوّلٌ في بنية الوعي العربي، لأن المرأة حين تكتب أو تُبدع، فإنها تغيّر نظرتنا إلى العالم، وإلى الجسد، وإلى الذاكرة، وإلى معنى الجمال نفسه.
لكن المفارقة أن الثقافة العربية ما زالت في كثير من تجلياتها توظّف صورة المرأة كرمزٍ جمالي أو وطني أكثر من كونها حضورًا إنسانيًا فعليًا. نرى ذلك في الإعلام، في الخطاب السياسي، وحتى في الإعلانات التجارية، حيث تتحوّل المرأة إلى «علامة» تُستعمل لتزيين الفكرة أو تلطيف الخطاب. هنا يتحوّل الإبداع إلى استهلاك، والرمز إلى قيدٍ جديد. إنّ هذا الاستخدام المفرط لصورة المرأة، من دون الاعتراف بعمق تجربتها، يكشف أزمةً في الوعي الجمالي العربي ذاته: فحين يُختزل الإنسان في رمزه، يُفقد جوهره الإبداعي.
المرأة ليست رمزًا للجمال فقط، بل صاحبة معنى للجمال. هي التي تُعيد تعريف الجمال كفعلٍ وجودي، وكطريقةٍ في مقاومة القبح الاجتماعي والعنف الرمزي والسطوة الذكورية. فكلّ عملٍ فني أو أدبي يقدّم رؤية أنثوية صادقة، يفتح ثغرةً في جدار الوعي التقليدي، ويمنح الثقافة العربية فرصةً لتجديد لغتها.
إنّ حضور المرأة في الثقافة ليس تزيينًا لواجهة الحداثة، بل اختبارٌ لمدى نضج المجتمع وقدرته على تقبّل التعدد في الرؤية والتعبير. والرهان اليوم هو الانتقال من «تمثيل المرأة» إلى تمكينها رمزيًا وفكريًا؛ من أن تكون موضوعًا للخطاب إلى أن تصبح منتِجةً له، ومن أن تُستعمل صورتها لتجميل المشهد إلى أن تصوغ هي المشهد ذاته.
في النهاية، يمكن القول إن الثقافة التي لا تُنصت إلى صوت المرأة تظلّ ناقصة الوعي وناقصة الجمال. فالإبداع، في جوهره، لا جنس له سوى الحرية. والمرأة حين تكتب أو تُبدع أو تُفكّر، لا تطالب بمكانٍ في الثقافة، بل تُعيد تعريف الثقافة ذاتها كفضاءٍ للإنسان بأكمله، لا نصفه فقط.
