في ركن المقهى
بقلم أ. عبد العالي لعجايلية/



ثمّة لحظاتٌ لا تُكتب بالحبر، بل تُستخرج من صمتٍ طويلٍ بين الوجود والعدم. لحظاتٍ يمرّ بها الإنسان فيتوقّف الزمن داخله، ويغدو الواقعُ مشهدًا رمزيًا يختبر فيه الوعي نفسَه.
كان المقهى أحد تلك اللحظات. مكانًا لا يشبه المكان، بل مرآةً تعكس ملامح الروح وهي تبحث عن نفسها في زحام الحياة.

كان المقهى طقسًا من طقوس الصباح، كأنني أدخله لأتوضأ بنكهة الوقت. أمامي جريدةٌ تُعيد سرد الملحمة اليومية بحروفٍ تختلف ولا تتغيّر. كنت أقرأها كمن يقرأ ذاكرةً تُكرّر نسيانها، إلى أن وقع بصري على الغريب الجالس في الزاوية، ساكنًا كتمثالٍ من صمتٍ قديم، وعيناه تلتهمان وجودي كما تلتهم النار ظلّها.

في البداية، تجاهلته، لكن شيئًا في حضوره كان يربك هندسة اللحظة، كأن الضوء نفسه تراجع أمام ظله. وضعت الجريدة جانبًا، فالتقت أعيننا عند النقطة التي تتقاطع فيها الأسئلة مع الصمت، وكأننا تعارفنا قبل أن نُولد.

ساد سكونٌ أثقل من الكلام، ثم انشقّ الهواء عن صوته المبحوح، يقول كمن يُلقي اعترافه الأخير:
“تأملتُ فيك مقامات الحرية… تلك الكلمة التي تُشبه السراب، كلما اقتربنا منها ابتعدنا عن أنفسنا. منذ زمنٍ، انهار فيَّ صرح الكبرياء، وتبدّل فرحي إلى غربةٍ تُقيم في العظام. صرتُ أحدّق في النجوم لأفهم سقوطها، فكلّ ضوءٍ يولد من جرحٍ في الظلام.”

كنت أسمعه ولا أسمعه، كأن كلماته تُقال في داخلي لا أمامي. ثم أضاف بصوتٍ يقطر من حافة الغياب:
“في اللحظة الأخيرة، سأقول لنفسي: ها أنا… الآن. لكن ما الآن؟ أهو زمنٌ يمرّ؟ أم يقظةٌ تُعرّي الروح من أقنعتها؟”

عندها، ارتجف الضوء في المقهى كأن المكان نفسه أصغى للمعنى، وسقطت قطرة قهوة على الجريدة، فرأيت فيها وجهي يذوب في سوادها، فعرفت أنني أنا من انسكب.

خارج المقهى كانت المدينة تمشي إلى أعمالها. ضحكات، خطوات، أصوات نادلٍ يوزّع الطلبات كما يوزّع القدر مصائر الناس بلا سؤال. كلّ شيء بدا لي فجأةً رمزيًا، كأن الوجود كله خُدعة بصرية لصانعٍ لا نراه.
النادل لم يكن نادلاً، بل الزمن نفسه، يحمل فناجين الوعي ويضعها أمام الأرواح في ترتيبٍ لا نختار توقيته.

تذكّرتُ وجوهًا غابت، وأحلامًا صارت رمادًا، وأدركت كم من المرات ظننت أنني أعيش، بينما كنت أكرّر الموت نفسه في ثوبٍ جديد.

نهض الغريب. وقبل أن يغادر، قال بصوتٍ خافتٍ كأثر جناحٍ على الماء:
“أتمنى لك حياةً سعيدة…”

لكنّ جملته لم تكن وداعًا، بل ختمًا على بابٍ فُتح في داخلي. رأيتُ ظله يمتدّ على الأرض، ثم يتلاشى في الضوء كأن النور ابتلع جوهره.

بقيتُ وحدي، أرتشف آخر ما تبقّى من الفنجان، ورائحة القهوة تتسلّل إلى الذاكرة كوشمٍ من زمنٍ لم أعد أنتمي إليه.
نظرتُ حولي: الزبائن، الوجوه، الأصوات… جميعهم بدوا لي ككائناتٍ من حلمٍ واحد.

همستُ لنفسي:
“ربما نحن جميعًا في هذا المقهى، ننتظر نادلًا لن يأتي… لأننا نحن أنفسنا الطلب المؤجّل.”

غادرتُ المقهى، لكن الطريق لم يُغادرني. كان الهواء يُصافح وجهي كأنّه يعرف أسراري، والمدينة تنظر إليّ بعينٍ مختلفة. أدركت أن كلّ صباحٍ هو فرصة للبعث، وأن الموت ليس سوى انعطافةٍ في الوعي، نعود بعدها أكثر صدقًا، أقلّ ضجيجًا، أقرب إلى أنفسنا.

وفي الركن البعيد من الذاكرة، ما زلت أراه — ذاك الغريب الذي لم يكن غريبًا قطّ.
ربما كان أنا… في حياةٍ أخرى،
أو كان الله وهو يحتسي معنا فنجان الوجود.