أزمة الوعي القرائي: تأملات فلسفية في ظاهرة العزوف عن الكتاب–
قراءة استقصائية على هامش الصالون الدولي للكتاب – سيلا 2025–
بقلم أ. كمال لعرابي/

على أعتاب الصالون الدولي للكتاب بالجزائر (سيلا 2025)، يقف المتأمل مذهولا أمام مفارقة عجيبة: آلاف الزوار يجوبون أروقة المعرض، لكن أيديهم تخلو من الكتب، بينما تمتلئ هواتفهم بالصور التذكارية. هذا المشهد يطرح علينا إشكالية فلسفية عميقة تتجاوز مجرد الملاحظة السوسيولوجية لتصل إلى جوهر الأزمة الحضارية المعاصرة: هل نحن أمام أزمة وعي حقيقية؟ وما طبيعة هذه الأزمة؟ وكيف يمكن تشخيصها وتداركها؟
إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح ليس فقط “لماذا لا يقرأ الشباب؟” بل الأهم: ما الذي تحول في علاقة الإنسان المعاصر بالمعرفة ذاتها؟ وهل الصورة الفوتوغرافية أمام رفوف الكتب تعبير عن استهلاك ثقافي سطحي، أم هي عرض لتحول أنطولوجي في كينونة الذات المعاصرة؟
عند زيارة الصالون الدولي للكتاب، تبرز ثلاث ظواهر متلازمة تستحق التأمل الفلسفي العميق. أولا، نلاحظ العزوف الكمي عن اقتناء الكتب رغم الحضور الكثيف للزوار، وهو ما يشير إلى انفصام بين الفعل الظاهري (الحضور) والنية الباطنية (الاقتناء). ثانيا، نشهد تحول المعرض من فضاء معرفي إلى فضاء سيناريو للصورة، حيث يصبح الكتاب ديكورا لا محتوى، وخلفية للصورة لا موضوعا للقراءة. ثالثا، نلمس غياب علاقة التملك المعرفي، فالزائر يحضر لكنه لا “يتملك” الكتاب، لا ماديا ولا رمزيا ولا معرفيا.
لكن قبل التسرع في إصدار الأحكام، يجب أن نطرح السؤال الأساسي: هل نحن حقا أمام أزمة قراءة، أم أن الأمر يتعلق بأزمة وجودية أعمق؟ يجب أن نميز بين ثلاثة مستويات للأزمة. المستوى الأول وظيفي، قد تكون المشكلة تقنية، اقتصادية، أو تعليمية: غلاء الكتب، ضعف المنظومة التربوية، توفر البدائل الرقمية. المستوى الثاني ثقافي، يتجلى في تراجع القيمة الرمزية للكتاب في السلم القيمي الاجتماعي، حيث لم يعد ينظر إليه كمصدر للمكانة والوجاهة الثقافية. أما المستوى الثالث فهو وجودي، وهنا يكمن العمق الفلسفي للإشكالية. ربما نشهد تحولا في طبيعة “الدازاين”، الكينونة-في-العالم بتعبير هايدغر، حيث أصبح الإنسان المعاصر يعيش في نمط وجودي مختلف لا تحتل فيه القراءة التأملية المكانة ذاتها.
فهل يمكن أن نعزو هذا العزوف إلى عوامل اقتصادية واجتماعية بحتة؟ يمكن بالفعل أن نفسر الظاهرة بعوامل موضوعية ملموسة. فالأزمة الاقتصادية واضحة: ارتفاع أسعار الكتب مقارنة بالقدرة الشرائية للطالب أو الشاب الجزائري جعل الكتاب المستورد خاصة رفاهية لا ضرورة. كما أن البديل الرقمي المتمثل في توفر الكتب الإلكترونية والمقالات والملخصات المجانية على الإنترنت يجعل من الاقتناء المادي ترفا غير ضروري. وفي واقع يعاني فيه الشباب من أزمة سكن، يطرح السؤال نفسه: أين يضع المرء مكتبته؟ الإحصائيات تشير إلى أن معدل الدخل الفردي في الجزائر لا يسمح بإنفاق كبير على الكتب، خاصة مع أولويات الحياة الأخرى.
لكن هذا التفسير، اقتصادي، ورغم وجاهته الظاهرية، يظل قاصرا. فلو كانت المشكلة اقتصادية بحتة، لماذا ينفق الشباب على الهواتف الذكية باهظة الثمن، وعلى باقات الإنترنت، وعلى الملابس والمقاهي؟ إن الأمر يتعلق إذن بسلم الأولويات وليس فقط بالقدرة الشرائية. هنا يتضح أن المسألة أعمق من مجرد توفر المال أو عدمه.
أليس التحول التكنولوجي وثقافة الصورة هما السبب الحقيقي وراء هذه الظاهرة؟ نحن نعيش في عصر “حضارة الصورة” كما سماه ريجيس دوبريه. الثقافة البصرية طغت على الثقافة النصية. الشاب اليوم هو ابن “الإنستغرام” و”التيك توك”، حيث المحتوى البصري السريع الاستهلاك يحل محل النص العميق بطيء الاستيعاب. جي دوبور في كتابه “مجتمع الاستعراض” يرى أن العالم المعاصر تحول إلى استعراض دائم، حيث “كل ما كان معاشا مباشرة ابتعد ليصبح تمثيلا”. الصورة في المعرض ليست تذكارا بل هي الغاية ذاتها، هي إثبات الحضور لا التجربة المعرفية.
يقول مارشال ماكلوهان: “الوسيط هو الرسالة”. تحول الوسيط من الكتاب الورقي إلى الشاشة الرقمية لم يغير فقط طريقة استهلاك المعرفة، بل غير طبيعة المعرفة المستهلكة ذاتها. الشاشة تفرض نمطا من التفكير السطحي، المتقطع، والسريع، بينما الكتاب يتطلب تركيزا عميقا وصبرا طويلا. والأخطر من ذلك أن التقاط الصور أمام رفوف الكتب أصبح تعبيرا عن “الوجود الافتراضي”، حيث يصبح الحضور في المكان أقل أهمية من إثبات هذا الحضور على وسائل التواصل الاجتماعي. إنها أزمة الحضور الزائف: “أنا موجود لأني مصور”، وليس “أنا موجود لأني أفكر” كما قال ديكارت.
لكن ألا تتحمل المنظومة التعليمية نصيبا كبيرا من المسؤولية عن هذا الوضع؟ المدرسة والجامعة الجزائرية لم تنجح في غرس “حب القراءة” بل زرعت “خوف التلقين”. القراءة أصبحت مرتبطة بالواجب والإكراه لا بالمتعة والاختيار. باولو فريري في “بيداغوجيا المقهورين” ينتقد “التعليم البنكي” الذي يجعل من الطالب مجرد مستودع للمعلومات. هذا النمط يقتل الفضول المعرفي ويحول القراءة إلى عبء. المناهج التعليمية تركز على الحفظ والاستظهار لا على التفكير النقدي والقراءة الحرة. الطالب يقرأ لينجح في الامتحان، لا ليفهم العالم.
عندما تختزل القراءة في وظيفتها البراغماتية الضيقة، أي النجاح الدراسي، فإنها تفقد بعدها الوجودي الأعمق المتمثل في بناء الذات، فهم العالم، والتحرر الفكري. وبمجرد انتهاء الإكراه الأكاديمي، ينتهي الدافع للقراءة. هكذا تتحول المدرسة، بدلا من أن تكون مصنعا للقراء، إلى مقبرة لحب القراءة.
لكن ألا تعبر هذه الأزمة عن شيء أعمق، عن أزمة في المعنى ذاته، وعدمية معاصرة تسللت إلى نفوسنا؟ ربما نحن أمام أزمة أعمق مما نتصور، أزمة لا تتعلق بالكتاب بل بالمعنى ذاته. في عالم ما بعد الحداثة، حيث تهاوت السرديات الكبرى كما يقول ليوتار، وانتشرت العدمية كما يحذر نيتشه، وتفككت الذات كما يشرح فوكو، أصبح السؤال المطروح بحدة: لماذا نقرأ أصلا؟ نيتشه في “هكذا تكلم زرادشت” يتحدث عن “الإنسان الأخير”، ذلك الكائن الذي فقد القدرة على الطموح العالي، واكتفى بالراحة والاستهلاك السطحي. ألا يعبر العزوف عن القراءة عن ظهور هذا “الإنسان الأخير” الذي يفضل الترفيه السهل على الجهد المعرفي؟
هايدغر من جهته يتحدث عن “نسيان الوجود”، حيث ينشغل الإنسان بالموجودات، أي الأشياء، وينسى السؤال عن الوجود ذاته. الانشغال بالتقاط الصور، وهي موجودات، بدل القراءة والتأمل، وهما سؤال عن الوجود، يعبر عن هذا النسيان الأنطولوجي. الكتاب يتطلب “انتباها كاملا” بتعبير سيمون فاي، بينما الصورة تتطلب “نظرة عابرة”. في عصر “اقتصاد الانتباه”، حيث كل شيء يتنافس على لحظة من وعينا، القراءة العميقة تصبح شبه مستحيلة. نحن نعيش في حالة “تشتت دائم”، وهذا ليس خيارا فرديا بل بنية نفسية-اجتماعية مفروضة علينا.
كيف يمكننا إذن أن نشخص هذه الأزمة بشكل شامل؟ إذا اعتبرنا، مع مدرسة فرانكفورت ممثلة في أدورنو وهوركهايمر، أن الحداثة الغربية أفرزت “عقلانية أداتية” تختزل الإنسان في بعده الوظيفي الاقتصادي، فإن أزمة القراءة هي تعبير عن انتصار هذه العقلانية. الكتاب لم يعد له “قيمة استعمالية” واضحة في السوق، فلماذا نقرأ؟ هذا السؤال يطرحه الشباب بعفوية، وهو سؤال مشروع في منطق العقلانية الأداتية السائدة.
من جهة أخرى، في الفلسفة المعاصرة، الذات لم تعد هي الكوجيتو الديكارتي المستقل والمفكر. الذات اليوم، كما يراها فوكو، هي “منتج” لخطابات وممارسات السلطة. ووسائل التواصل الاجتماعي هي أحدث أشكال هذه السلطة. الذات المعاصرة تبنى عبر الصورة والإعجابات، لا عبر القراءة والتأمل. هكذا تتحول الذات من كائن مفكر إلى كائن مستعرض.
وإذا تأملنا في مسألة الزمن، نجد أن برغسون يميز بين الزمن المكاني والديمومة الواعية. القراءة تتطلب ديمومة، استمرارية وعي، انغماسا زمنيا عميقا. لكن الحياة المعاصرة تفرض علينا زمنا مجزأ، مقطعا، سريعا. ليس لدينا “وقت للقراءة” ليس لأن الوقت غير موجود، بل لأن طبيعة الزمن الذي نعيشه لم تعد تسمح بالقراءة العميقة. نحن نعيش في زمن “الريتويت” و”الستوري” الذي يختفي بعد أربع وعشرين ساعة، لا في زمن الرواية التي تحتاج أسابيع لقراءتها.
ثم هناك أزمة اللغة نفسها. هايدغر يقول: “اللغة مسكن الوجود”. وفي عصر الصورة والإيموجي والميمز، اللغة الكتابية العميقة تفقد مكانتها. نحن نشهد “إفقار اللغة” كما يحذر فيتغنشتاين، حيث تختزل الكلمات في وظائفها التواصلية السطحية، وتفقد بعدها الشعري والتأملي. عندما تختزل لغتنا، يختزل تفكيرنا، وعندما يختزل تفكيرنا، نفقد القدرة على القراءة العميقة.
إذا كان التشخيص بهذا العمق والتعقيد، فكيف يمكننا أن نتدارك الأزمة؟ على المستوى الفردي، يجب أن نعيد اكتشاف المتعة في القراءة. يجب أن نعيد للقراءة بعدها الإيروسي بالمعنى الفلسفي، أي بعد المتعة والرغبة. القراءة ليست واجبا أخلاقيا بل لذة وجودية. رولان بارت في “لذة النص” يميز بين “نص اللذة” و”نص النشوة”، وكلاهما يتطلب انخراطا حسيا وعاطفيا، لا مجرد استهلاك معلوماتي. علينا أن نختار الكتب التي تلامس وجودنا، لا تلك التي يفرضها علينا الآخرون. وعلينا أيضا أن نخلق طقوسا للقراءة، فالقراءة تحتاج إلى فضاء مكاني وزماني محمي من الضجيج والتشتت. علينا أن نخلق “ملاذات للقراءة” في حياتنا اليومية، زوايا صغيرة من الصمت والتركيز.
على المستوى التربوي، نحتاج إلى ثورة بيداغوجية حقيقية. يجب أن ننتقل من التلقين إلى الحوار، وتطبيق بيداغوجيا فريري الحوارية، حيث القراءة ليست تلقيا سلبيا بل ممارسة تحررية. “قراءة العالم تسبق قراءة الكلمة” كما يقول فريري. يجب أن نربط القراءة بالحياة، بالأسئلة الوجودية للطلاب: من أنا؟ ماذا أريد؟ كيف أعيش حياة ذات معنى؟ بدل حصرها في المقررات الجافة التي لا تمس واقعهم. كما أن خلق نوادي القراءة والفضاءات الحوارية ضروري، حيث تصبح القراءة فعلا جماعيا تشاركيا، لا منفردا ومعزولا.
على المستوى الثقافي، يجب إعادة الاعتبار الرمزي للكتاب. لكن ليس بالخطاب الوعظي المباشر الذي أثبت فشله، بل عبر خلق “سرديات ثقافية جديدة” تجعل من القارئ بطلا عصريا، لا شخصا منعزلا ورجعيا. القدوة أيضا مهمة جدا: حضور المثقفين والمؤثرين كقراء حقيقيين، لا كديكور في البرامج التلفزيونية. عندما يرى الشاب أن من يحترمهم ويتابعهم يقرؤون ويناقشون الكتب بشغف، سيتأثر تلقائيا.
على المستوى السياسي والاقتصادي، نحتاج إلى سياسات داعمة حقيقية. دعم أسعار الكتب عبر إعفاءات ضريبية، دعم مباشر لأسعار الكتب، مجانية الكتب المدرسية والجامعية. كما يجب تحويل المكتبات العمومية من مخازن كتب مهجورة إلى فضاءات ثقافية نابضة بالحياة، فيها ورشات، لقاءات، أنشطة تجذب الشباب. والاستثمار في النشر المحلي ضروري: دعم دور النشر المحلية، تشجيع الكتاب الشباب، إنشاء جوائز أدبية ذات مصداقية تخلق دينامية ثقافية حقيقية.
لكن كل هذه الحلول التقنية والعملية لن تكفي إن لم نعالج الأزمة على مستواها الفلسفي الأعمق. نحتاج إلى إعادة بناء المعنى، إلى سردية جديدة تعطي معنى للقراءة في عصرنا. ليس سردية شمولية قامعة كما يحذر ليوتار، بل سردية منفتحة تجيب على السؤال: لماذا نقرأ في القرن الواحد والعشرين؟ يمكننا أن نقول إن القراءة هي فعل مقاومة. في عالم يريد أن يحولنا إلى مستهلكين سلبيين ومنتجين للمحتوى السطحي، القراءة العميقة هي رفض للاستلاب. هذا ما تعلمنا إياه نظرية فرانكفورت. القراءة ليست هروبا من الواقع بل انخراط أعمق فيه، بوعي نقدي حاد.
بعد هذه الرحلة الاستقصائية الطويلة، نصل إلى خلاصة مركبة ومعقدة. العزوف عن القراءة واقتناء الكتب في الصالون الدولي ليس مجرد ظاهرة سطحية أو عرضية، بل هو عرض لأزمة حضارية عميقة تمس علاقتنا بالمعرفة، الزمن، اللغة، والوجود ذاته. الأزمة متعددة المستويات: اقتصادية، تكنولوجية، تربوية، ثقافية، ووجودية، ولا يمكن اختزالها في تفسير واحد أحادي الجانب. الحل ليس تقنيا فقط، لا يكفي أن نخفض أسعار الكتب أو نوفر المكتبات، بل نحتاج إلى ثورة وعي: إعادة اكتشاف معنى القراءة في عصرنا، وإعادة بناء الذات القارئة من جديد.
ظاهرة “التقاط الصور” بدل “القراءة” تعبر عن تحول أنطولوجي عميق من “الكينونة العميقة” إلى “الوجود السطحي”، من “أنا أقرأ إذن أنا موجود” إلى “أنا مصور إذن أنا موجود”. هذا التحول الخطير يجب أن نواجهه بشجاعة فلسفية وإرادة جماعية قوية. التدارك ممكن، لكنه يتطلب إرادة جماعية من الفرد، المدرسة، الدولة، والمجتمع المدني معا. يجب أن نخلق “ثقافة القراءة” الحية والنابضة، بدل الاكتفاء ب”خطاب القراءة” الأجوف والمكرر.
لنختم بسؤال سقراطي يترك القارئ في حالة تفكير عميق: إذا كان الكتاب، كما يقول أمبرتو إيكو، “آلة كاملة للقراءة” لا تحتاج إلى تحديث ولا بطارية، ولا تنكسر، ويمكنها أن تقرأ في أي مكان وزمان، فلماذا نتخلى عنها لصالح وسائط هشة ومتقلبة ومستهلكة للطاقة؟ ألا يدل هذا على أن الأزمة ليست في الكتاب بل فينا نحن؟ وإذا كانت القراءة، كما يقول كافكا، هي “الفأس التي تحطم البحر المتجمد فينا”، أي التي توقظ وعينا المخدر وتحرر إنسانيتنا المقيدة، فهل نحن نخاف اليوم من الاستيقاظ؟ هل نفضل النوم المريح والأحلام الوهمية على اليقظة المزعجة والحقيقة المرة؟
الإجابة على هذه الأسئلة ليست نظرية تكتب على الورق وتنسى، بل عملية تعاش يوميا. تبدأ الإجابة حين نغلق هواتفنا للحظات، ونفتح كتابا حقيقيا، ونقرأ بعمق حقيقي، وببطء متعمد، وبصمت مقدس. “الذين لا يقرؤون محكوم عليهم أن يعيشوا حياة واحدة، أما القراء فيعيشون آلاف الحيوات”، هكذا يقول أومبرتو إيكو مذكرا إيانا بأن القراءة ليست ترفا فكريا بل ضرورة وجودية لمن أراد أن يعيش بحق، لا أن يمر بالحياة مرور الغرباء.
