الفنّ في مواجهة النسيان

بقلم  بوبكر بلعيد/



النسيان هو أخطر أعداء الإنسان، والفنّ هو ذاكرته الكبرى.
بينما يذوب الزمن في ركام الأحداث، يظلّ الفنّ الحارس الأمين للذاكرة، يقاوم الفناء ويعيد للحياة معناها المفقود. فحين ينسى الإنسان ماضيه، يفقد جزءًا من ذاته، ويغدو ككائن يسير في العتمة بلا أثر ولا وجهة.

الفنّ، في جوهره، فعل مقاومة ضدّ هذا التلاشي البطيء.
كلّ أغنية تحفظ وجع شعب، وكلّ لوحة تحمل ملامح زمن، وكلّ فيلم يعيد إلى الذاكرة صورًا كادت تختفي في غبار الأيام. الفنان لا يكتب التاريخ كما يفعل المؤرخ، بل كما يشعر به الوجدان الإنساني. إنه يوقظ الوقائع من سباتها، ويمنحها حياة جديدة في ضمير الناس.

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث وتُستهلك القيم تحت وطأة التقنية والسرعة، صار النسيان جزءًا من النظام العام.
الأخبار تتبدّد بسرعة الضوء، والمشاعر تُمحى قبل أن تكتمل. هنا يظهر الفنّ كقوة مضادّة، كصرخة تحفظ ما يتآكل في الصمت، كذاكرة تقاوم سياسة المسح والنسيان. فالأغنية تحفظ النَفَس الجماعي، واللوحة تُعيد للوجوه ملامحها، والفيلم يوثّق ما تحاول الحياة تجاوزه.

الفنّ ليس ترفًا جماليًا، بل موقفٌ أخلاقيّ أيضًا.
الفنان الحقيقي لا يبدع لإرضاء الذوق فحسب، بل ليقاوم المحو. يكتب ما يخشى أن يختفي، ويرسم العالم كما يجب أن يكون، لا كما هو. لذلك يصبح الإبداع فعل مسؤولية، لأن الفنّ يواجه النسيان كما يواجه الضوءُ العتمة.

في وجه النسيان السياسي، يكتب الشعراء عن الحرية.
في وجه النسيان التاريخي، يصنع السينمائيون أفلامًا تبعث الحياة في ما أُريد دفنه.
وفي وجه النسيان الإنساني، يخلق الفنانون لحظات من الجمال تحفظ للروح نقاءها في عالمٍ ملوّث بالعبث. فحين يرسم فنان وجه أمّه الراحلة، فهو يعيدها إلى الوجود. وحين يغنّي مطرب عن وطنٍ ممزّق، فهو يقول للناس: ما زال فينا نبض.

النسيان ليس فقدانًا للذاكرة فقط، بل بداية العدم.
أما الفنّ فهو وعدٌ بالحياة، واستمرار رغم الفناء. فلو لم يُبدع الإنسان، لانطفأ أثره منذ أزمنة بعيدة. كلّ قصيدة قديمة، وكلّ لوحة خالدة، هي شهادة على أنّ الفنّ أقوى من الموت، وأنّ الجمال شكل من أشكال الخلود.

وحين يرحل الناس، تبقى أغانيهم.
وحين تسقط المدن، تبقى صورها في لوحات الفنانين.
وحين يطوي التاريخ فصوله، تبقى الحكايات التي رواها الفنّ هي الذاكرة الحقيقية للعالم.