سجن الظلام–
بقلم أ. عبد العالي لعجايلية /



ما أشبه الإنسانَ بظلّه حين يضيع عنه النور.
كأنّ الوجودَ مرآةٌ مكسورة، تعكس الحقيقة في شظايا من وهمٍ وارتباك.
منذ البدء، وُلدنا نحبو في متاهة الإدراك، نرى الأشياء لا كما هي، بل كما أُلهمنا أن نراها.
نعبد الضوء في صورته لا في جوهره، ونخشى العتمة لأنها تُعرّينا من الأقنعة التي صنعناها لنستمرّ في الكذب الجميل.
في ذلك المنعطف الغامض بين الوعي والخوف، انزلقتُ من رحم الحياة إلى جوفها، إلى سجنٍ لا يُرى فيه سوى العدم وقد لبس ثوب الوجود.

جدرانٌ رطبةٌ تُزفر البرد، وضبابٌ كثيفٌ يلتفّ حولي ككفنٍ من نسيان.
مددتُ يدي أتحسّس الظلمة كمن يتحسّس نفسه، فكلّما لمستُ شيئًا تلاشى، وكلّما حاولتُ أن أخطو، انزلقتُ في دوّامةٍ من العمى.
كان الزمن هنا يمشي عليّ لا بي، يزحف بلا ملامحٍ كأفعى فقدت جلدها، وأنا أغرق في سكونٍ أثقل من الرصاص.

كلّ خطوةٍ كانت سؤالًا بلا جواب، وكلّ سؤالٍ كان خطوةً نحو قاعٍ أعمق.
حتى صار ليلي امتدادًا لداخلي، وصار صمتي وطنًا لا يطرقه سوى صوت أنفاسي.
تآلفتُ مع الرطوبة والعفن والظلال، كما يتآلف السجين مع حارسه حين ييأس من الخلاص.
صرتُ أسمع قطرات الماء تسقط بإيقاعٍ رتيب، كأنها تعدّ نبضات قلبي المعلّق بين الخوف والأمل، بين الحياة بوصفها انتظارًا والموت بوصفه راحة.

كان جرمي الوحيد أنني فكّرت، أن عقلي تساءل: لماذا نرى العالم بعيون غيرنا؟
فحكموا عليّ بالظلام، لأن الضوء في عُرفهم زندقة، ولأن السؤال خطيئةٌ لا يغفرها إلا الموت.
أرادوا كسر عقلي لأنني رفضتُ السجود لصنمهم — صنمٍ من أفكارٍ مصبوبةٍ في قوالب الطاعة، يحرسه جهلٌ مقدّسٌ يهاب السؤال كما يهاب الظمآنُ الموج.
أرادوا أن أرى كما يرون، وأن أصمت كما يصمتون، وأن أختنق بالهواء ذاته الذي يتنفّسونه دون وعي.

لكنني، يا للعجب، بدأتُ أعتاد السجن.
صار الظلام مألوفًا حتى خِلتُ أني جزءٌ منه، بل كأنه يحميني من ضوءٍ لا أطيقه.
وهنا كانت الخديعة الكبرى: أن يألف الإنسانُ قيده، حتى يصير القيدُ ذاتهُ هو الأمان.

في تلك العتمة، تجسّدت نفسي أمامي، شاحبةً، ضاحكةً بمرارةٍ وهي تقول:
«ما بالك يا إنسان؟ أألفتَ الظلام إلى هذا الحدّ؟»

صرختُ فيها، كمن يواجه مرآته لأول مرة:
«لقد ختموا على عقلي بالشمع الأحمر! رسموا لي حدود الإدراك وحدّدوا لي شكل الوجود.
أرادوا أن أكون ظلًّا في كهفٍ يسمّونه الحقيقة.
أنا لستُ أنا… أنا ما أرادوه أن أكون!»

انهرتُ باكيًا؛ لا حزنًا، بل لأنني رأيتُ نفسي أخيرًا — رأيتها مكبّلةً في زنازين الخوف، تلعن النور وهي تشتاقه.
ومن وسط الدموع، رأيتُ الضوء للمرة الأولى…
شعاعًا يتسلّل من نافذةٍ صغيرةٍ في السقف، كأن الفجرَ يحاول أن يتنفّس.

اقتربتُ منه مذعورًا، أمدّ يدي إليه، فارتدّ قلبي كمن لامس النار.
أخافتني الحقيقة التي تمنّيتها، لأن النور كشف هشاشتي.
حينها سمعتُ همسًا يشبه أنين الأرض:
«أأنت خائف من النور، يا من بكيتَ ليل الظلام؟»

تذكّرتُ كهف أفلاطون، ورأيتُ نفسي بين أولئك الذين عشقوا ظلالهم حتى صاروا يكفرون بضوء الشمس.
كان الضوء يتسلّل أكثر، كأنه يسائلني:
«هل وُلدتَ لتبقى في قفصٍ من ظلك؟»

اقتربتُ منه من جديد، وأنا أرتجف بين شوقٍ ورعب.
كانت كلّ قطرة ماء تسقط على جسدي تذكّرني بأن الحياة لا تموت، بل تغيّر شكلها.
وفي زاوية الكهف، وجدتُ قصاصةَ ورقٍ رطبةً، كتب عليها بخطٍ مرتجف:
«لا تكن جبانًا… فأنت إنسان.»

قرأتها بصوتٍ عالٍ، كأنني أنادي نفسي من قعر الهاوية.
وفجأة، شعرتُ أن القيود التي كبّلت أفكاري بدأت تتآكل، وأن الظلام لم يعد يخيفني بل يسلّمني للمعرفة.
أدركتُ أن الحرية ليست أن تهرب من السجن، بل أن تدرك أنك كنتَ السجنَ والسجينَ معًا.

ومن تلك النافذة الصغيرة، انسكب الضوء على وجهي، فابتسمتُ.
عرفتُ حينها أن النور لا يأتي من الخارج، بل يولد من داخل القلب حين يجرؤ على أن يرى.
وحين أعلنوا موعد إعدامي، كنتُ قد خرجتُ بالفعل من كل سجونهم دون أن أبرح مكاني.

في تلك الليلة الأخيرة، لم أعد أخاف شيئًا.
أغمضتُ عيني، فامّحت جدران السجن، وذابت القضبان كملحٍ في بحرٍ من سكينة.
وسمعتُ الكون يهمس لي:
«ما يُعدم الجسدُ إلا ليُبعث الفكر.»

وفي فجر الإعدام، لم أكن جسدًا يُقتل، بل فكرةً تتوهّج في ليل الكون،
حُرّةً، تمشي على جناح الضوء،
دون أن تدري أنها وُلدت.


 
«سجن الظلام» ليس حكاية عن زنزانةٍ ماديةٍ تُغلق بابها الأقفال، بل عن زنزانةٍ فكريةٍ تُغلق أبوابها العقول.
فالظلام هنا ليس غياب النور، بل غياب الجرأة على الرؤية. هو رماد الإدراك حين تُخمده السلطة، وسكون الفكر حين يُستعبد باسم الطاعة.
أما السجن، فهو استعارة كبرى عن النظام الذي يروض العقول حتى تؤمن بأن القيد أمان، وبأن السؤال خطر.

النور في النص ليس ضوءًا فيزيائيًا، بل لحظة انبثاق الوعي، حين يكتشف الإنسان أن الجدران التي تحاصره ليست من حجر، بل من خوف.
ومن هنا تتجلّى المفارقة الوجودية: أن الحرية ليست خلع القيود، بل معرفة أنك كنتَ من صنعها.

في النهاية، لا يُعدم الجسد لأن الفكرة لا تُقتل.
تتوارى الأجساد، لكن الوعي يورّث نفسه في سلالات الفكر، كما يورّث النورُ خيوطه للفجر.
فالسجين الحقيقي ليس من يعيش في الظلمة، بل من يخشى النور حين يراه.

__________