المدينة بوصفها مسرحًا لللاوعي في مجموعة: سادة اسكتو القصصية – للكاتب سراج محمود–
بقلم د- رشا الفوال/

مقاربة نقدية من منظور نفسي –
على افتراض أن مفردة الوعى تعني حفظ القلب للشىء، والوعي كلمةٌ تدل على ضم شيء، ووعيت العلم أعيه وعيًا، ووعي الشيء والحديث يعيه وعيًا، وأوعاه: حفظه وفهمه وقبله، فهو واعٍ، وفلان أوعى من فلان أي أحفظ وأفهم(1)؛ فإذا كان الحاضر الذي لايمكن استرجاعه من ذاكرة المبدع هو(ماقبل الوعى)، فإن(الوعى) هو الحاضر في ذهنه، والكامن الذي لا يمكن استرجاعه بأية وسيلة شعورية واعية هو(اللاوعى)، مع ملاحظة أن اللاوعي لا يمكن دراسته بصورة تجريبية، إنما نستدل على وجوده من خلال الكتابة الأدبية التي نهتم فيها بالجانب التفسيري الذي يتخذ طابع الشمولية وإمكانية التطبيق على النصوص؛ ففي التحليل النفسي يعرف(اللاوعي) بأنه مجموعة التصورات الذهنية والانفعالات التي تُسيطر على حياة المبدع. في مجموعة: سادة اسكتو الصادرة عام 2024م عن دار الرائدية المصرية للنشر والتوزيع، للكاتب: سراج محمود الأفكار الإبداعية عبارة عن وحدات ذهنية، و”اللاوعى” بهذا المعنى ليس فوضويًا، إنما هو بناء في حد ذاته له تركيبة شبيهة بتركيبة اللغة التي تساعدنا على تناول قصص المجموعة من خلال المحاور التالية:
المحور الأول: رؤية العالم والصراع الداخلي
” كَنُوحٍ أَبْنِي فِي الصَّحْرَاءِ سَفِينَةً؛ لَا أَجِدُ مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ صَالِحَيْنِ لِكَيْ يَكُونَا مَعِي، وَمَعَ يَأْسِي فِي أَنْ يَفُورَ التَّنُّورُ، مَا زِلْتُ أَبْنِي “
تبدأ المجموعة بالمفتتح السابق، الذي يمكننا اعتباره إعلان ضمني عن رؤية العالم التي تهيمن على النصوص، وعن التوتر النفسي الذي يسكن ذات المبدع. ففي ضوء المنهج السيكولوجي الذي نعتمد عليه في الدراسة، يمكن النظر إلى هذا المفتتح بوصفه تجسيدًا للصراع الداخلي بين الأمل واليأس، بين الرغبة في النجاة والخوف من العزلة. استدعاء شخصية: نوح عليه السلام (رمز الخلاص الأسطوري) لا يأتي هنا في سياقه التقليدي، بل يُعاد إنتاجه في صورة مضادة: سفينة تُبنى في الصحراء، أي في فضاء مناقض لوجود الماء. إنها صورة لاواعية تُفصح عن شعور الكاتب بالعبث واللاجدوى.
أما الإشارة إلى “عدم العثور على زوجين صالحين”، فهي تنقل الصراع من المجال الكوني إلى البعد الإنساني الاجتماعي، حيث يتجلى الإحساس بالعزلة وفقدان الآخر. هذه الهواجس تعكس توترًا وجوديًا عميقًا؛ لأن رغبة الذات في التواصل والامتداد، تقابلها خبرة متكررة بالخذلان والوحدة. والسفينة التي تُبنى إذن ليست مجرد وسيلة خلاص، بل رمز للذات التي تكدّ في تأسيس كيانها، حتى وإن غاب اليقين بجدوى هذا الجهد. ثم تأتي عبارة “ما زلت أبني” في ختام المفتتح، لتكشف هذا الإصرار اللاواعي على البناء رغم انعدام الأمل، بهذا المعنى، يصبح مفتتح: سادة اسكتو بمثابة عتبة نصية تُكثف البعد السيكولوجي للمجموعة ككل، حيث يندمج الخيال باللاوعي الجمعي، ويتحول الصراع النفسي الفردي إلى خطاب أدبي يستنطق القلق الإنساني في أعمق صوره.
يأتي بعد ذلك الإهداء” إلى قلبي الذي عندما تأذّى وقاربني للموت علّمني أن فقدان الجرأة عار على من يعتنق الجمال، وأن كتمان الحروف جريمة لمن يحمل هذا القلب ” والذي لا يُقرأ بصفته عتبة شكلية فقط، بل بوصفه خطابًا نفسيًا موجّهًا من الكاتب إلى ذاته قبل أن يكون موجهًا إلى المتلقي، إذ يبدو بمثابة اعتراف داخلي وتجربة علاجية بالكتابة. فالكاتب يُسند إلى قلبه( مركز الوجدان والهوية العاطفية) وظيفة المعلّم الذي قاده إلى الحقيقة. وكأن الاقتراب من الموت، أو الإحساس به كتهديد داخلي، يُعاد توظيفه كحافز للخلق الفني. هنا يظهر ما يمكن تسميته بآلية التسامي sublimation حيث تحويل الألم إلى إبداع، والمعاناة إلى نص.
مع الإشارة إلى ” فقدان الجرأة ” التي تكشف عن صراع نفسي مع الخوف والكبت، وهو صراع يجد حله في فعل الكتابة ذاته. فالجرأة هنا ليست شجاعة وجودية فقط، بل هي فعل الإفصاح بالكلمات، ومواجهة العار الذي يُمثّله الصمت. وعليه يتحول الأدب إلى ضرورة وجودية، لا مجرد ترف جمالي، لأن ” كتمان الحروف ” عند الذات الكاتبة يرقى إلى مستوى ” الجريمة “.
المحور الثاني: التقنيات الزمنية والذات الممزقة
هناك علاقة جدلية بين الزمن والإنسان لكونه صاحب الفعل؛ ” فالأحداث تسير في زمن، والشخصيات تتحرك في زمن، والفعل يقع في زمن، ولا نص من دون زمن “(2)؛ فإذا افترضنا أن الزمن في تداخله الكلي مع الحدث_ باعتباره العلامة الدالة على مرور الوقائع اليومية_ هو الإطار الذي يشمل كل التفاصيل ويُضفي عليها صفة الانتظام، يتم تشكله من خلال مكون الوصف(3)، لوجدنا أن قصّة: خمس دقائق تشتغل على فضاء واقعي مألوف، لكنها تحوّله إلى مسرح نفسي مكثّف تتفجر فيه التوترات بداية من السطر الأول حيث الإطار الزمني المحدد: خمس دقائق فقط، لكنها تتحول في البناء السردي إلى زمن داخلي ممتد، كأن القصة تسعى لتكشف طبقات أعمق من اللاوعي. هذا التثبيت الزمني يضع المتلقي في حالة ترقّب، وهو ما يتحقق فعلًا مع اعتراف الطفلة.
خمس دقائق تصبح مرآة لصراع داخلي أطول بكثير، حيث صراع الأم مع أسرارها، وصراع الراوي مع موقف الشهادة، وصراع الطفلة بين البراءة والوعي المبكر. هذا ويوحي مكون الوصف بأن اللحظة القصيرة هي في الحقيقة رمز للكمون الطويل، تتجلى هنا شخصية الطفلة باعتبارها قلب القصة، الذي يعمل على تعرية الحوار الخفي بين الأم وصديقتها. ثم بكلمات قليلة، تُسحب ” الألوان من المشهد ” في إشارة إلى انكشاف الحقيقة وسقوط قناع الأم كشخصية مأزومة، يشي تناقضها بصراع الهُوية بين ما تريد أن تكونه وما هي عليه فعلاً. مع ملاحظة أن انكشاف السر أمام ابنتها يُحدث لحظة صدمة، أشبه بالموت الرمزي للذات الأمومية.
الراوي أيضًا شريك في الحدث. تنظر إليه الطفلة في النهاية وكأنه ” شاهد على انهيار لا يُمكن إصلاحه ” صوت القطار في نهاية النص جاء كخلاص مؤقت، ووصفه بالوحش القادم من النفق يرمز للضوء الذي ينقذ الراوي، وكأن حضوره آلية دفاع نفسية تتيح النجاة من ثقل المشهد جسديًا، أما الوعي فيظل مثقلاً بما شاهده.
ثم تتجلى في قصّة: ظاهرة اقتران شخصية ” المصري القديم ” بوصفها صوتًا داخليًا يُلحّ على الراوي، يكشف عن انقسامٍ نفسي بين ذاتٍ عالقة في واقع خانق(القيظ، المكيّف الصارخ، طعم المياه الملوثة)، وذات أخرى تبحث عن تجدد واحتفال وانبعاث. يتخذ الكاتب من الحدث الفلكي(اقتران القمر بالمشتري وظهور نجم الشعرى اليمانية) نقطة انطلاق لتفجير خيالٍ يُذيب الحاضر في الماضي، ويُحوّل القاهرة المأزومة إلى طيبة الفرعونية الزاهية.
تتضح هنا الرموز الكونية( القمر، المشتري، الشعرى) بوصفها انعكاسًا نفسيًا يمكننا النظر إليه كاستدعاء لأمٍّ كونية مانحة للحياة، تعوّض عن إحساس الذات بالجدب والقحط الخارجي. فالتحوّل من ماء ملوّث إلى ماء نقيّ من النيل هو لحظة تطهير سيكولوجي.
يتضح أيضًا التواطؤ بين الزمن والذاكرة في جملة ” انشقّ الزمن ” المحورية التي تكشف عن لاخطّية الوعي؛ فالماضي لا ينفصل عن الحاضر، بل يتسرّب داخله كذاكرة جمعية تسعى إلى تخليص الذات من انكسارها. وعنوان القصة ” ظاهرة اقتران ” لا يُحيل فقط إلى القمر والمشتري، بل إلى اقتران الداخل بالخارج، الحلم بالواقع، الذات المعذبة بالذات المنتشية. هو اقترانٌ بين الانهيار والصمود؛ فالحكاية تبدأ بالشخصية المركزية على حافة الانهيار، وتنتهي به وقد وجد في الاحتفال قوةً للبقاء. إذن تحدثنا القصة عن إمكانات الخلاص النفسي عبر استدعاء الذاكرة الجمعية(المصري القديم)، وإعادة وصل الإنسان بجذور كونية/أسطورية تمنحه شعورًا بالاتساق.
في قصة: لم تكن لتفعل أبدًا نجد أنفسنا أمام الحكاية المشبعة بالتمزق النفسي، إذ تُشيّد البنية السردية على ثنائية( الحضور/ الغياب) حضور القبر والموت والجموع التي تؤدي طقوس الحزن المتوارثة، مقابل غياب الإحساس الصادق الذي ينتظره السارد ولا يجده. هذا التناقض النفسي يتجلى عبر لغة مشحونة بالثقل الرمزي( الماء، العرق، الدموع) كلها عناصر جسدية وحسية، لكنها تمر أمام الراوي بلا أثر، وكأنها إشارات خادعة لحزن غير متحقق؛ فالفقيدة ليست مجرد جسدًا وارى الثرى، بل هي “الجرح المحفور في الروح” كما يصفه الراوي حين يمرر أصابعه على الرخام البارد. أسلوب الحكي، المشبع بالتكرار(ألمح، أفتش، أقترب، أختنق…)، يُحاكي تدفق الفكر الداخلي، وهو تقنية نفسية تنقلنا إلى فضاء اللاوعي مباشرة، حيث يختلط الإدراك الحسي بالانفعال المكبوت. بهذا تصبح القصة نموذجًا مصغرًا لفقدان المعنى في العلاقات الإنسانية، حيث لا ينهار الراوي بالبكاء كما يتوقع المتلقي، بل ينهار بالصمت، صمت الأرض التي ابتلعت الكلمات والاعتذارات غير المنطوقة، وصمته الداخلي أمام ذاكرة جافة تخلو من الحنان.
فإذا تناولنا طبيعة الفقد في قصة: لم تكن لتفعل أبدًا لاتضح الفقد الشخصي/ الوجودي في مواجهة الراوي لقبر امرأة(ربما أم، حبيبة، قريبة)، حيث يفتّش في داخله عن أثر الحزن فلا يجده. الانقطاع هنا داخلي وشعوري حيث(غياب الدمع/الحزن)، واللغة الجنائزية، المفعمة بالتكرار والبطء، التي تحاكي ثقل اللحظة ووطأة القبر. بينما يتضح الفقد الجماعي/الرمزي في قصة: يا ولاد يا ولاد حيث الفراغ الآتي من غياب شيء خارجي اعتاد عليه الراوي. وما يحمله انقطاع صوت: أبلة فضيلة أيقونة الطفولة، من موت ” الذاكرة المشتركة “. فالإنقطاع السمعي الفجائي يأتي من غياب شيء داخلي كان الراوي يتوقعه في ذاته، نلاحظ أيضًا الجُمل القصيرة ذات الإيقاع الإذاعي الذي يحاكي طبيعة الصوت المنقطع، بهذا يصبح النصان مرآةً متقابلة، أحدهما يُعلن موت الصوت الخارجي، والآخر يُعلن موت الصدى الداخلي.
وفي قصة: إصبع يبني الكاتب الحكاية على تقنية الانكسار الزمني، حيث لحظة الحاضر العاصفة(الإصبع المشهر في وجه الراوي) تنكسر فجأة لتعود بالوعي إلى الماضي، إلى صورة الأب، هنا تتضح آلية الاسترجاع القهري، إذ يعيد اللاوعي إنتاج المشهد القديم بصورة معكوسة؛ فإشهار الإصبع ليس مجرد حركة جسدية، بل هو لغة القهر والسلطة، إذ يتصلب في هيئة “خنجر” يغرس في القلب. بهذا يتحول الجسد (الإصبع، النظرة) إلى حامل لموروث نفسي، إلى سلسلة من العنف الرمزي الذي يتوارثه الابن عن الأب من دون وعي. وكأن الحكاية تُريد أن تقول: لا أحد يملك الإصبع حقًا، بل هو يملكنا جميعًا، كإشارة أبدية للصراع الأسري الذي يُعيد نفسه جيلاً بعد جيل. مع ملاحظة أن هذا التوتر بين الرغبة في التحرر من القهر وبين إعادة إنتاجه هو ما يمنح الحكاية طابعها المأساوي.
يتضح أيضًا توظيف آلية الانشطار النفسي الداخلي في قصة: في ذكرى نصر قديم؛ فمن دخان سيجارة يومية يخرج ماردٌ يصرخ بالحقيقة، يقابل ماردًا آخر يخرج من فم “الوالي”، باعتباره رمزًا لماكينة السلطة الإعلامية. بين الماردين تنشأ “حلبة” صراع داخلية في رأس البطل، بين صوت الحقيقة المكبوتة وصوت الوهم المفروض. هنا يظهر دور اللاوعي في إنتاج صور رمزية كثيفة حيث( العصافير الجائعة، الكلاب المستعرة، صمت النهر)، وكلها علامات لانهيار ما يُفترض أن يكون بديهيًا وآمنًا. اللافت أن الجمهور أمام هذه الحلبة هو طفولة الراوي المترفة، التي تحضر كظلّ بعيد، صامت، غير قادر على التدخل. وكأن النص يقول إن الماضي(الطفولة) صار شاهدًا عاجزًا، ثم تنتهي القصة بالفعل التدميري( تحطيم التلفاز). وهو تمرد نفسي يرمز لكسر آلة الوهم، ورفض الخطاب المهيمن، والمحاولة اليائسة لاستعادة سلطة الذات أمام سطوة الصوت الجماعي. لكنه في الوقت ذاته فعل مأزوم، لأنه لا يغيّر من الواقع شيئًا، بل يكتفي بكسر الشاشة كواجهة، بينما يبقى المارد الأكبر ـ خطاب السلطة ـ حاضرًا بقوة.
في قصة: هراشة يتجلى زمن الهامش حيث الساعة بعد منتصف الليل تُعزز البنية السيكولوجية للحكاية؛ فالليل في المخيال الجمعي هو زمن المكاشفة، حيث تتخفف الوجوه من أقنعتها، ويُسمع ما لا يُسمع في وضح النهار. مع ذلك فالحكاية لم تنتهي بحلّ، بل بانطفاء المشهد في الظلام، وترك المتلقي مع الفراغ الداخلي الذي يشبه تمامًا الصمت الذي تحمله المرأة في عينيها.
وإذا نظرنا إلى قصة: هراشة جنبًا إلى جنب مع قصتي: التقفيصة و: اعتذار، لوجدنا أنه رغم تباعد مشاهدها، تنسج خيطًا واحدًا يُسلط الضوء على الكرامة الإنسانية حين تُسحق تحت وطأة الحاجة أو القهر أو العجز عن الحب. ففي قصة: هراشة تُختزل الكرامة في قبول كوب قهوة، وفي ابتسامة صامتة تخفي القهر. وفي قصة: التقفيصة تُختزل الكرامة في صرخة مكتومة يطلقها الطائر الذي يريد أن يكون ذاتًا، لا مشهدًا للآخرين. وفي قصة: اعتذار تتأرجح الكرامة بين الغضب الداخلي والصمت المطبق، ليصبح غياب الاعتذار نوعًا من الهزيمة الذاتية، قفصًا نفسيًا لا يقل قسوة عن قفص” التقفيصة ” أو شوارع” هراشة “. ولأن القصص الثلاث تلتقي عند سؤال واحد: كيف يظل الإنسان إنسانًا حين تُسلب منه أبسط حقوقه العمل الكريم، الحرية، أو القدرة على التعبير عن الحب؟ نجد أن الكرامة تُحاصرها الحاجة في: هراشة، وتُصادرها السلطة/النظرة في: التقفيصة، وتُنهكها هشاشة الداخل في: اعتذار.
فإذا تناولنا الزمن بوصفه بنية سردية، يمكننا فهم شبكة الربط الثلاثية بين قصة: لير، وقصة: بين الجفن والروح وقصة: نتساريم، على المستويين الفني والدلالي: لنجد أن الزمن الذي يُعاد تعريفه كوعي متأخر يُستعاد عبر المرآة والذاكرة والخلاص الممكن عبر الفن، إضافة إلى الفضاء المكاني المغلق الذي يوحي بالانعزال الذاتي في قصة: لير، ويتضح الزمن الذي يتحول إلى قوة قهرية توقف العالم وتترك المصير معلقًا بين الاختفاء والاستمرار؛ فنراه_ أى الزمن_ يختل، يتشظى، يتوقف، يتمدد. وينقلب إلى فضاء فلسفي-ميتافيزيقي في قصة: بين الجفن والروح التي تبدأ من الفضاء المكاني الشخصي وتنتهي بالخروج للشارع الذي يتحول فجأة إلى فضاء عالمي، سوريالي. ومنها إلى قصة: نتساريم حيث الزمن المسروق؛ لأن الموت يسبق الحياة، والرصاصة تقطع اللحظة قبل أن تُكتمل. وكأن الحكاية بلا خلاص، تنتهي بالسلعة/الإعلان، إضافة إلى الفضاء المكاني المفتوح المحاصر بالنار والرصاص(مخيم، نقطة مساعدات). كواقع سياسي دامغ، وكأن القصص تصنع تدرجًا من الخلاص الفردي إلى المصير المعلق إلى الخراب الجماعي.
المحور الثالث: استدعاء التاريخ/الميثولوجيا
في قصة: إكس ستة تتجلى المفارقة الطبقية في أكثر صورها قسوةً ووضوحًا، من خلال مقابلة حادة بين سيارة فارهة تمثل فائض القوة والوجاهة، وفتاة صغيرة رثّة الثياب لا تحمل سوى حفنات من الفول السوداني كوسيلة هشّة لمقاومة الفقر. ثم يأتي الانزياح المفاجئ إلى مشهد الوأد الجاهلي مانحًا القصة عمقها الرمزي شديد الكثافة. فالفتاة ليست مجرد بائعة متجولة؛ إنها صورة حديثة للموءودة التي تعود في ثوب جديد، وأدها ليس في الرمل هذه المرة، بل في التهميش والفقر والإهمال الاجتماعي. بهذا، يمحو النص الفاصل بين الماضي والحاضر، ليؤكد أن البنية الذهنية التي تبرر سحق الضعفاء لم تتغير، إنما تبدّلت أدواتها. مع ملاحظة أن الانتقال السريع من الشارع إلى الصحراء ثم العودة إلى لحظة الفتاة يمنح النص توترًا زمنيًا يضاعف من قوة الأثر.
وفي قصة: اعتذار يتجلى التعبير الرمزي بسردية أسطورية دينية حيث الإشارة إلى ” جدار اليتيمين ” ومرور ” الخضر وموسى ” وهو الأمر الذي يُبرز إحساس الراوي بالخذلان؛ فالجدار هنا ليس مباركًا ولا محظوظًا كما في القصة القرآنية، بل جدار عاجز عن اللين، جدار بلا بركة. المفارقة تكشف عن رغبة لاواعية في المقارنة بين ما هو مقدّس وما هو مبتذل في الحياة اليومية، فتفضح الهوة بين المثال والواقع.
المحور الرابع: صورة المدينة ورموز الخراب المجتمعي
حين تتحوّل التقفيصة إلى كوبري قبيح في مخيلة الراوي، يتضح لنا أن الوعي لا يرى الأشياء كما هي، بل يُعيد تشكيلها بما يتسق مع توتراته. هنا يتجلى سؤال جمالي سيكولوجي: هل القبح في المدينة أم في عين الرائي؟ النص يترك المسافة مفتوحة، ويحوّل مشهدًا يوميًا إلى صورة كثيفة عن مأزق الإدراك نفسه. بذلك تشكّل قصة: التقفيصة نصًا يتجاوز التسجيل الواقعي إلى تفكيك التوتر النفسي للمدينة الحديثة، حيث تقاطعات الفقر والغنى، القبح والجمال، العبث والبحث عن نظام خفي؛ فالتقفيصة في ظاهرها مجرد أقفاص خبز، لكنها في القراءة السيكولوجية تتحول إلى رمز مكثف للمدينة الحديثة حيث الهشاشة المادية(جريد بسيط) تقابَل بإصرار رمزي(خرسانة ضخمة في خيال الراوي)، ثم التحوّل من ” جريد ” إلى ” كوبري قبيح ” يعكس آلية الإسقاط النفسي؛ فالراوي يرى في المشهد البسيط صورةً مكبّرة لتصدّع المدينة وقبحها، كما يرى في التقفيصة نفسها ” جرحًا ” يفضح تناقضات المكان.
في نفس السياق نرى قصة: شخابيط يوليه تعمل كمرآة هزلية/مأساوية لمصير المدينة والذاكرة، وتضيف إلى قصص المجموعة بُعدًا آخر من الخراب، حيث خراب الأمكنة وتحوّلها إلى شخابيط مشوَّهة على جدار الزمن. ثم قصة: المدينة التي تنتمي إلى خطّ سردي يوازن بين السيرة الفردية والتاريخ الجمعي، وتحوّل فضاءً مألوفًا(المدرسة/المقهى/الميدان) إلى مرآة لانكسار جيل ومدينة ووطن. النصّ يستثمر استراتيجية الاستعارة الكبرى، فنجد أن المدرسة ترمز للطفولة والبراءة، ثم تتحوّل إلى رمز مكثّف عن المدينة نفسها، تلك التي تتجسد في هيئة امرأةٍ هرِمة كانت” الباسلة ” في لحظات مقاومة، ثم ” شاحبة ” بعد أن ابتلعها الفساد.
فإذا تناولنا طبيعة الخراب في قصص المجموعة لوجدنا الخراب الخارجي العسكري العنيف في قصة: نتساريم يحيل الأرض رمادًا بفعل قوة الاحتلال، بالتالي فالفقدان كنتيجة حتمية يُجرّد المكان من إنسانيته بآلة الحرب. وتقدّم الضحية كمكان مغدور يُمحى من الجغرافيا، وتظل الحكاية عنه فعل مقاومة للغياب. أما في قصة: المدينة؛ فالخراب داخلي صامت ومتدرّج بفعل الفساد. تقدّم الضحية فيها كـكيان أنثوي/حضاري ينتقل من البطولة إلى الهامش، وتظل الكتابة عنها فعل رثاء ومساءلة. النصّان يكتبان عن المكان كضحية وكلاهما يضع المتلقي أمام سؤال: أيهما أشد قسوة؟ أن تُمحى دفعةً واحدةً… أم أن تُستنزف حتى تفقد نفسك بنفسك؟.
المحور الخامس: الأشياء ككائنات وآليات الدفاع
على افتراض أن أنسنة الجماد في الكتابات الأدبية تعكس حاجة نفسية عميقة للذات في البحث عن اعتراف خارجي بمعاناتها. ففي قصة: اعتذار الجدار أو العمود ليس مجرد عنصر مادي، بل يتحوّل إلى شخصية لها إرادة،” يُريد يأسًا أن يلين “، ” تمتمته باعتذار يومي “. هذا يشير إلى عملية الإسقاط النفسي؛ حيث تُلقى مشاعر الذات الداخلية على الجماد، فيغدو وكأنه شريك في التجربة. يتجلى أيضًا الألم الجسدي كترجمة للضغط النفسي الناتج عن مواجهة “العبث بالخارج وتكاثر السفهاء “. عبر آلية التحويل حيث انتقال التوتر النفسي إلى عرض جسدي. الرأس الذي يتألم بسبب التصاقه بالجدار هو في جوهره صورة للجسد حين يتحول إلى مرآة لمعاناة الروح. ثم يأتي الاعتذار بوصفه تعويضًا نفسيًا يمنحه الراوي لنفسه كي يتمكّن من احتمال الألم المتكرر.
في قصة: ظاهرة اقتران ارتكز الكاتب على آلية الانفصال الذي يحوّل الإحباط الواقعي إلى حوارٍ متخيّل مع آخر داخلي يمنح الوجود معنى وامتدادًا، في نفس القصة نجد أن الانتقال المفاجئ من القاهرة إلى طيبة، ومن ضجيج العوادم إلى رائحة الفرح، هو بناء حلمي بامتياز يوظّف آليات الإزاحة والتكثيف. فالكرنفال الفرعوني هو في جوهره تعويض عن العجز اليومي، وانفجار للاوعي الباحث عن فضاء بديل تُشفى فيه الجراح. وفي قصة: إصبع تتضح آلية الإسقاط والتكرار القهري؛ فكل ما يرفضه الراوي من أبيه، يُسقطه في سلوكه هو نفسه، ويكرر المشهد دون قدرة على كسره. إذ يكتشف أنه أسير سلسلة “حديدية” من الغضب الموروث، وأن الإصبع ليس مجرد حركة، بل دين نفسي يُسدد باستمرار، من جيل إلى آخر.
وفي قصة: ذكرى نصر قديم يتجلى انفجار المكبوت الجمعي داخل الفرد، من خلال المواجهة بين اللاوعي الذي يصرخ بالكارثة القادمة، وبين الأنا الأعلى الذي تفرضه السلطة عبر تكرار شعاراتها. وفي قصة: ياولاد ياولاد يشتغل الكاتب على اختزالٍ شديد يلتقط لحظةَ فقدٍ جماعي في إطارٍ شخصيٍّ عميق، لتُقدِّم نصًّا أشبه بمرثيةٍ مكثّفة، وافتتاح القصة بزمنٍ دقيق ” حتى بعد الستين، كان ينتظر العاشرة صباحًا ” يحيلنا إلى عادة راسخة، أشبه بطقس يومي يمنح الحياة معناها؛ فحين ينقطع الصوت فجأة، لا ينقطع مجرد برنامج إذاعي، بل ينطفئ آخر خيط يربط الراوي(والجيل كله) بطفولته. الانقطاع هنا يُجسّد “موتًا رمزيًا” نهاية أمومة رمزية مثلتها أبلة فضيلة لملايين الأطفال. القصة تترك المتلقي أمام فراغ صاخب؛ فهو لا يصف الحزن، بل يكتفي بالانقطاع ذاته كعلامة دالّة، كأنّه يقول إن الصمت بعد انطفاء الصوت أبلغ من أي بكاء، انهاء القصة بجملة، ” أبلة فضيلة. 24 مارس 2023 ” تحوّل الحكاية إلى شاهدٍ على لحظة واقعية تؤرخ لوفاة: أبلة فضيلة كاشفة عن آلية الحنين كوسيلة دفاعية ضد قسوة الحاضر.
وفي قصة: كاديلاك تُكثّف التراجيديا عبر مفارقة عنيفة بين رمز الثراء والفخامة (السيارة الكاديلاك والمرأة الراقية) وبين فعل السطو والانتهاك الذي يحوّل البيت – رمز الاستقرار والهوية – إلى ساحة عبث وانهيار أخلاقي. يمكننا قراءة القصة بوصفها إسقاطًا للوعي الجمعي في مواجهة فقدان السيطرة؛ فالمرأة هنا ليست مجرد شخصية فردية، بل أيقونة للأرض/الوطن/الذاكرة التي تتعرض للاغتصاب المادي والرمزي معًا. ابتسامتها الأولى التي تمثل لحظة الثقة سرعان ما تُقابل بصدمة الغدر، بما يعكس براءة مستباحة لا تقوى على مواجهة شراسة القمع الجماعي.
تجلت بنية المفارقة في قصة: كاديلاك التي تأتي كامتداد طبيعي لخطٍّ سردي بدأ في قصة: إكس ستة وقصة: التقفيصة، حيث يتكرر الاشتباك بين المشهد الطبقي والمأساة الرمزية؛ ففي: إكس ستة نرى المفارقة بين سيارةٍ فارهة وفتاةٍ صغيرةٍ تحمل عباءةً سوداء وكيس فولٍ سوداني؛ وهو مشهد يختصر التفاوت الاجتماعي إلى حدّ الاغتراب المميت. وفي: التقفيصة، يظهر التناقض الحاد بين واجهات الثراء الفاحش (المجوهرات والمطاعم الراقية) والتقفيصة البسيطة التي تحمل الخبز، بوصفها رمزًا للحياة الشعبية الباقية رغم التهميش. بينما في: كاديلاك ينهار هذا التوازن كليًا، ويُستبدل بالعنف الممنهج والاغتصاب. بهذا الربط، نرى أن المجموعة لا تعيد تصوير التفاوت الاجتماعي فقط، بل ترسم خطًّا تصاعديًا من التناقض إلى الاغتصاب الكامل.
قصة: ليلة صمت انتخابي واحدة من أقوى قصص المجموعة على مستوى الاشتباك بين السرد والواقع السياسي تكشف بوضوح عن الآلية التي اعتمدها الكاتب في تحويل التجربة اليومية المألوفة إلى كابوس رمزي يعرّي البنية النفسية والاجتماعية في آنٍ واحد، إضافة إلى استخدام الرموز البصرية والسمعية كأدوات للقمع النفسي؛ فصور الزعيم ولافتات التأييد تعادل التسلّط البصري الذي يعيد إنتاج السلطة داخل المخيلة. أيضًا الشرطي الذي يصدم عربة الخضار والبائع الذي يصرخ بلغة غريبة، كلاهما يلخّصان دينامية القهر حيث السلطة الوحشية في مواجهة الجسد الهش، والجمهور في وضع المتفرج، والطماطم المتناثرة” كدماء ناضجة ” تمثّل رمزية الدم اليومي المعتاد الذي لم يعد يُثير غضب أحد. ثم تأتي النهاية بالجملة التي تنقل النص من مجرد توصيف اجتماعي إلى تفكيك داخلي للمسؤولية النفسية؛ فالوحوش ليست فقط السلطة أو البائع أو الشيخ: علي أو الجمهور الصامت، بل هي الذات نفسها حين تختار الصمت ” الميدان يقتلني… لكنني أدرك فجأة أنني الوحش الوحيد هنا. أنا من صنعت كل هذه الوحوش من شظايا صمتي “، وفي ذلك إقرار بآلية الإسقاط النفسي؛ فالبطل الذي كان يُسقط خوفه وغضبه على الخارج، يكتشف في النهاية أن مصدر الوحوش الحقيقي هو صمته.
الخاتمة الاستنتاجية:
1_ في قصص مجموعة: سادة اسكتو الكتابة مساحة لمواجهة الذات والآخر والعالم، حيث تتحول التجربة الشخصية إلى خطاب فني يتجاوز الفردي نحو الإنساني العام.
2_ مفتتح المجموعة يكشف عن طاقة مقاومة ترفض الاستسلام. ويشكل تمثيلًا مكثفًا للبنية النفسية المأزومة التي تحكم المجموعة
3_ إهداء المجموعة يشي بالبعد السيكولوجي العميق للمجموعة ككل، واعتبار الكتابة فعل حياة في مواجهة الموت، وفعل اعتراف في مواجهة الكبت، وفعل جرأة في مواجهة الخوف.
4_ قصص المجموعة جاءت لتعرّي بنيات اجتماعية أعمق، حيث الأسرار العائلية، الكبت الأخلاقي، وعُقدة الشاهد الذي يتورط في انكشافٍ لم يختره. والانتظار الذي يتحول إلى انفجار والصمت الذي ينقلب إلى فضيحة، والزمن اليومي الذي يتشظى إلى زمن نفسي داخلي يفضح المستور.
5_ الراوي يرصد اللاوعي حيث تراكمت الجروح القديمة التي لم تُداوَ، ليجد أبطال القصص أنفسهم في صراع بين الرغبة في الاستعطاف وبين الصلابة المتحجرة أمام الموت.
6_ كلٌّ من قصتي: يا ولاد يا ولاد و: لم تكن لتفعل أبدًا تنطلق من نقطة مشتركة هى الفقد. لكنّ مسار كل منهما مختلف، في اللغة والبنية والدلالة، ليكشف عن وجهين متكاملين لتجربة الانقطاع والغياب.
7_ في قصص: هراشة، والتقفيصة، واعتذار، يقدَّم المشهد كأنه لقطة متجمدة تحمل رموزًا تتحول إلى استعارة كبرى عن وضع الإنسان في المجتمع، وكأن الكتابة لا توثق فقط الهامشي والمنسي، بل تحاول تفكيك لحظات الانكسار الإنساني حيث تنكشف هشاشة الكرامة. ورغم اختلاف السياقات، فإن القاسم المشترك بينها هو الإنسان، وقد صار مجرد ظلًا لذاته، يبحث عن لمسة رحمة، أو لحظة تحرر، أو كلمة مفقودة.
8_ هذه المجموعة لا تُقدّم قصصًا بقدر ما ترسم خريطة سيكولوجية للإنسان المقهور، حيث القهر يتخذ أشكالًا متحوّلة: مرة في الشارع، مرة في البيت، مرة من خلال الهاتف، مرة من خلال الاستدعاء من الذاكرة. ومع ذلك، يظل المشترك واحدًا: الكرامة كجوهر وجودي مهدّد دائمًا بالفقدان.
9_ التقنيات الزمنية ليست زخرفة سردية، بل أداة لربط الماضي بالحاضر في وعي واحد، ولتأكيد أن ما نظنه تاريخًا منقضيًا ما زال حيًا في صلب حاضرنا.
10_ من خلال تقنية الاستدعاء التاريخي في قصة: إكس ستة تكشف القصص أن المجتمع يعيد إنتاج الوأد الجاهلي بوسائل معاصرة مثل اللامبالاة، الفقر، وانسحاق الطفولة تحت وطأة التفاوت الطبقي.
11_ الزمن ليس مجرد سياقًا للأحداث، بل عدو للإنسان، مرة كندم في قصة: لير، ومرة كشلل في قصة: الجفن والروح، ومرة كقتل فجائي في قصة: نتساريم.
12_ بفعل التحليل ومحاولة الفهم تتحول قصص المجموعة إلى شبكة دلالية واحدة، حيث يتكرّر السؤال نفسه بصور مختلفة: كيف يمكن للإنسان أن يصون كرامة الآخر وسط فقر ساحق وتفاوت طبقي فادح؟ وفي كل مرة، لا تقدم القصة حلًا نهائيًا، بل تكتفي بلحظة إنسانية صغيرة، أشبه بتأجيل الوأد لا بإلغائه، مما يترك المجموعة في حالة توتر دائم بين الأمل واليأس.
13_ تتراوح قصص المجموعة بين الصرخة مثال لذلك قصة: نتساريم، والرثاء المرّ في قصة: المدينة، والإدانة الساخرة في قصة: الكيان الأول/الآخر. وجميعها تحمل نبرة احتجاجية تكشف مأزق الواقع العربي حيث الموت المتكرر بصور مختلفة. لكنها أيضًا تُقدّم فعل الكتابة كشهادة ومقاومة ما دام الحكي قائمًا، فإن المحو لن يكتمل، وسيبقى النص يفضح الخراب ويسترجع من الذاكرة.
14_ اتسمت قصة: شخابيط يوليه بطابعها التجريبي في اللغة والبناء، حيث تُستبدل السرديات التقليدية بـ حوار متشظٍّ، وخرائط تيهٍ في مدينةٍ تتحوّل ملامحها على نحوٍ عبثيّ، مدارس تتحول إلى كافيهات، مسارح إلى كباريهات، باعة جرائد إلى “درينكز”.
15_ قصة: لير تكاد تكون التجسيد القصصي المباشر للإهداء الذي افتتحت به المجموعة؛ ففي الإهداء، يظهر القلب كمعلمٍ قاسٍ، كأن الألم يلقّن صاحبه درسًا أن الكتابة ضرورة، وأن الصمت جريمة. وفي قصة: لير يواجه البطل نفسه في المرآة، لذلك، يتخذ القرار الأخير: أن يكتب لا ليصفّق له الآخرون ، بل لينقذ نفسه من الرماد. دلالة ذلك أن الإهداء يعلن من البداية أن المشروع الأدبي كله هو تمرّد على الخوف والصمت.
16_ قصص المجموعة تلتقي جميعها عند نقطة محورية وهى: رسم خرائط الخراب المجتمعي في صور متباينة، لكنها تتكامل لتكشف عن الوجه المزدوج للمأساة حيث الفساد يلتهم الهوية، والاستنزاف يشيخ الوجوه والأمكنة، وهكذا يتضح أن الخارج يقصف بينما الداخل يُنهب، وبين الاثنين يظل الشعب ضحية يواجه موتًا متعدد الأشكال.
17_ القصص لا تقف عند حدود السرد الجمالي فقط، بل تقدم فعل الكتابة نفسه بوصفه مقاومة وشهادة. فالمحو قد يهدد المكان والإنسان، لكن النص يظلّ يحفظ الأثر ويعيد للذاكرة دورها كأداة بقاء. وبذلك يتحول الأدب هنا إلى شاهد لا يُمحى، وصرخة مستمرة في وجه الخراب، تذكّر بأن الموت قد يتكرر، لكن الحياة تجد دائمًا لغتها لتفضحه.
18_ القصص رغم اختلاف أمكنتها وتجاربها، تلتقي عند نقطة مركزية، هى اعتبار الإنسان العربي في مواجهة الانهيارات الكبرى(السياسية، الاجتماعية، الوجودية) لا يجد سوى الذاكرة واللغة والرمز للمقاومة. من هنا تصبح الكتابة نفسها فعل بقاء، يربط الخاص بالعام، والجرح الفردي بالجماعي، ليصوغ خطابًا سيكولوجيًا أدبيًا يوثق الألم ويبحث عن مخرجٍ إنساني وسط العتمة.
المراجع والهوامش:
1_ ابن منظور، لسان العرب، ج20، فصل الواو، الدار المصرية للتأليف والترجمة، القاهرة، د.ت، صــ275
2_ سمير سعد حجازي(د.ت)،”النظرية الأدبية ومصطلحاتها الحديثة، دراسة لغوية تحليلية”، دار طيبة للنشر، القاهرة، ص 135.
3_ عبد الله ابراهيم، البناء الفني لرواية الحرب في العراق، دار الشوؤن الثقافية العامة، ط1، بغداد، 1988م، ص 17
