الفكر بئرُ ماء والفصاحة دِلاء

بقلم أسامة عكاشة/


ليس الكاتبُ الكبيرُ ابنَ فصاحةٍ مُرسَلة، ولا ربيبَ طبعٍ مُنقاد، ولا وارثَ مهارةٍ في تشقيق القول وتلبيس العبارة؛ فذلك سُخفُ صناعةٍ إن انفرد، وقِشرُ بيانٍ إن استُقلّ. وإنما الكاتبُ الكبيرُ عقلٌ مُتَمالِكُ القِوام، قد انْفَتَلَ عن السطح، وتَحَلَّلَ من العابر، واستقرّ في مَعاقِل المعنى استقرار المُقيم لا الطارئ.
فالبيانُ تابعٌ لا متبوع، وخادمٌ لا مُنشئ، ومَجرى كشفٍ لا مَوضِع خلق. ومن استأنف المعنى من اللفظ فقد انقلب على سُنَن الفهم، وجعل الأداة أصلًا، والأصلَ تابعًا، فخرج كلامه مُصقَلَ الظاهر، مُمَحَّصَ الخواء، يُغري السمع ولا يُغني العقل.
والكتابةُ الحقّة إعناتٌ للفكرة حتى تُسلِم قيادها، ومصابرةٌ على تفكيكها ثم إعادة تركيبها على أصولها، حتى تُرى على حقيقتها لا على شَبَهها. والكاتبُ لا يَبلُغ رتبة الكِبَر حتى يَستوفي الفكرةَ تَقليبًا وتَمحيصًا واستقصاءً، ويَستوثق من مَناطها، ويَستبرئ مَداخلها من التلبيس والتغرير.
ومن لم يَكن له فكرٌ مُستَحكِم، فإن قلمه — وإن طال باعه — لا يعدو أن يكون آلةَ استطراق، تَسري فيها المعاني الدارجة كما تسري المياه في مجاريها، بلا مقاومة ولا تشكيل. فأما المفكّر، فالقلمُ في يده مِثقابُ معنى، لا يَنفُذ إلا حيث أراد، ولا يَقف إلا حيث استقرّ الحكم.
ويُعرَف الكاتبُ الكبيرُ عند مَغارز النزاع، لا عند موارد المسالمة؛ إذ هناك تُختبر صلابة الرأي، ويُفْرَز المحكَم من المُتَشابه، ويظهر الفرق بين من يَستطيل بالتهويل، ومن يَستقوي بالتحرير. فالأولُ صَنِيعُ الأثر، والآخرُ صَنِيعُ الأَصْل.
فالكتابةُ الكبرى لزومٌ فكريّ لا ترفٌ أسلوبي، وضرورةُ عقلٍ لا حيلةُ لسان. ومن ظنّ أنّ البيان يُغني عن الفكر فقد غَرِق في الوَهْم، ومن أيقن أنّ الفكر لا يَقوم إلا ببيانه فقد وضع كلَّ شيءٍ في موضعه. فكان الكاتبُ الكبيرُ — ولا محيد — مفكّرًا كبيرًا، لأن العظمة في الكتابة أثرُ عقلٍ راسخ المَغارز، بعيد الغَوْر، شديد الاحتراز من العابر والمُستعار.