التجاوز إلى المحتوى
logooooooo

wamadhet amel

مجلة إعلامية ثقافية

  • الرئيسية
  • من نحن
  • سمعي بصري
  • اتصل بنا
  • المتجر
    • السلة

فلسفة وفكر, قراءات

قراءة في كتاب “الولادة أو الولوج إلى المعنى” للمفكرة الجزائرية سلمى معيوف… بقلم أ-د كمال لعرابي

التاريخ: 2026-01-16الكاتب: rédacteur en chef KHELIFA ABDESSELEM 0 تعليقات
قراءة في كتاب “الولادة أو الولوج إلى المعنى” للمفكرة الجزائرية سلمى معيوف-
بقلم أ-د كمال لعرابي/
حين نسأل أنفسنا عن معنى الوجود في عصرنا الحالي، لا نسأل سؤالا عابرا بل نسأل عن جوهر تمزقنا الحضاري. هذا الكتاب محاولة طموحة لإعادة بناء المعنى الوجودي من خلال مقاربة تجمع بين التأمل الذاتي والتحليل الفلسفي. المؤلف ينطلق من إدراك أن الإنسان المعاصر قد انقطع عن حوار حقيقي مع ذاته ومع مصدر معناه، وأن هذا الانقطاع ليس مجرد أزمة فكرية بل كارثة وجودية. عبر استعارة الولادة كمحور فلسفي مركزي، يحاول الكاتب إعادة صياغة السؤال الأزلي: كيف ننتقل من الكمون إلى الفعل؟ كيف نخرج من ظلمة اللاوعي إلى نور الوجود الحقيقي؟ لكن هذه الولادة ليست بيولوجية محضة، بل أنطولوجية معرفية. الإنسان يولد مرات عديدة، وكل ولادة جديدة هي انبثاق للزمن الفعلي من رحم الكمون، وهي اقتراب من الفهم الهيدغري للكينونة والزمان. فما الذي يحدث حين يبدأ الإنسان رحلته نحو الوعي الحقيقي؟ تقدم الكاتبة سيرةً للوعي، تمر بأربع مراحل متتالية، لكل واحدة منها طابعها الفريد وإشكالياتها الخاصة. في البداية، حين يسيطر الانفعال على العقل، يعيش الإنسان في حالة من الطفولة الروحية حيث تتحكم النفس بقراراته ويفقد بوصلته الأخلاقية. هذه الحالة تشبه كهف أفلاطون، حيث الإنسان مقيد بظلال الواقع لا بحقيقته. ولكن هل يمكن للإنسان أن يبقى أبدا في هذه الحالة، أم أن هناك قوة داخلية تدفعه نحو التطور؟ ثم يشرع الإنسان في مرحلة انتقالية نحو السكينة والصفاء، حيث ينزاح من الاضطراب نحو هدوء ظاهري. لكن هنا تظهر إشكالية فلسفية حقيقية: هل هذا التقبل الكلي فضيلة أم استسلام خطير؟ المؤلف يميز بذكاء بين تقبل المحتوم الذي لا طاقة لنا برده، وتقبل غير المحتوم الذي يستوجب التغيير والفعل والمسؤولية. هنا يكشف الكاتب عن الخطر المحدق: سقوط الروح في جمود روحي يسبت الحركة الخلاقة. تأتي بعدها مرحلة النضج المعرفي، حيث يحتكم الإنسان إلى العقل ويضبط انفعالاته. لكن ماذا يحدث حين يطغى العقل على كل شيء؟ ينبهنا المؤلف إلى خطر جديد: العقلانية المفرطة التي تجفف ينابيع الروح وتغرق الإنسان في سبات عاطفي. الحكمة الحقيقية لا تقيم في العقل وحده بل في توازنه مع الروح. وأخيرا، حين يصل الإنسان إلى التوفيق بين الروح والعقل، يدرك حقيقة عميقة: “يدرك العقل ما لا تدركه الروح، وتدرك الروح ما لا يدركه العقل.” هنا يتحقق اكتمال المعنى. هذا التوفيق يذكرنا بمحاولة الغزالي في “المنقذ من الضلال” حيث جمع بين العقل والذوق الصوفي، وبسعي الفلسفة الإسلامية الدؤوب للتوفيق بين الحكمة والشريعة. ولكن؛ هل يمكن لنا أن نفهم معنى الوجود الإنساني دون الاقتراب من فهم العلاقة بين الله والإنسان؟ يستعرض المؤلف مجموعة من الفلاسفة الذين حاولوا الإجابة عن هذا السؤال. عند أفلاطون، الله هو “الخير الأعلى” كالشمس التي تمنح الوجود والمعرفة، بينما الديميورج هو العقل الكوني المنظم للكون. في المقابل، أرسطو يصور إلها غارقا في التأمل الفكري لذاته، يحرك الكون دون أن يتحرك. أما أوغسطينوس فيرى الله كحقيقة مطلقة والإنسان محكوما بالخطيئة الأصلية، لكن المعرفة الحقة تبدأ من الداخل: “ارجع إلى نفسك، في الداخل تسكن الحقيقة.” حين ننتقل إلى الفكر الإسلامي، نجد الفارابي يتحدث عن “الأول” الذي يصدر عنه الوجود فيضا، وسعادة الإنسان تكمن في الاتصال بالعقل الفعال. الغزالي من جانبه يرفع التجربة القلبية الصوفية فوق العقل الفلسفي المحض، مؤكدا أن الله مطلق متعال والإنسان محدود عاجز، لكن الصلة قائمة عبر المعرفة والإرادة والتجربة الوجدانية. السهروردي يقدم رؤية متكاملة: الله هو نور الأنوار، والوجود مراتب نورية، والإنسان مزدوج الطبيعة نوراني في روحه ظلماني في جسده. لكن المؤلفة – سلمى معيوف – لا تكتفي باستعراض هذه المواقف بل تغوص أعمق في البعد الديني التأملي. فالإنسان في الإسلام ليس كائنا عابرا بل حامل للأمانة العظمى، مكرم بالعقل والنفخة الإلهية. هو مزيج من الطين والروح. لكن ما معنى هذه الأمانة حقا؟ تعني أن الإنسان محتفظ بحرية الاختيار. “وهديناه النجدين” – هذه الآية تعبر عن جوهر الكرامة الإنسانية: الحرية. لكن الحرية ليست هدية مجانية بل ثمنها المسؤولية. الضمير هو البوصلة الداخلية التي توجهنا. هنا تقدم لنا – سلمى معيوف – رؤية تدريجية للوعي بالحضور الإلهي: نبدأ بالوعي بالذات، ننتقل إلى الوعي بالآخر، ثم بكل الموجودات من نبات وحيوان وجماد وسماء وأرض، وأخيرا نصل إلى الوعي بالحضور الإلهي. الاستشهاد بابن عطاء الله السكندري يكشف مفارقة صوفية عميقة: “إنما احتجب لشدة ظهوره، وخفي عن الأبصار لعظم نوره.” الله محتجب لفرط ظهوره، كالشمس التي تعمي البصر لشدة نورها. فما أزمة المعنى في العصر الحديث؟ وهل هي خطيئة الحداثة؟ وكيف وصلنا إلى هذا الفراغ الروحي الذي نعاني منه اليوم؟ تستدعي هنا – سلمى معيوف – مفهوم مالك بن نبي عن “الفراغ الكوني” لتشرح آلية سقوطنا. حين يعزل الإنسان نفسه، يشعر بفراغ هائل. هناك طريقتان فقط لملء هذا الفراغ: إما النظر نحو الأرض وملء الفراغ بالأشياء المادية، أو النظر نحو السماء وملء الفراغ بالأفكار الروحانية. فالحداثة، في تحليل الكاتبة المفكرة، ارتكبت خطيئة مزدوجة: نزعت القداسة عن الموجود العلوي (الله) وعن الموجود الأرضي (الإنسان) في آن واحد. النتيجة كانت سقوط القيم والمعاني، وفقدان الأمان الوجودي. هدرت الحداثة قيمة الصمت – ذلك الصمت الذي يحمل معنى وعمقا – واستبدلته بثرثرة تفيض بالتفاهة.
ولكن هل يمكننا أن نرفع السؤال بصيغة أكثر حدة: هل الحداثة بذاتها شر محض؟ أم أن الحداثة نفسها قابلة لإعادة تصور من خلال عدسة روحية؟ المؤلفة – معيوف – هنا، تترك هذا السؤال معلقا، لكن تحليله يشير إلى أن المشكلة ليست في الحداثة كمشروع معرفي بل في طريقة تنفيذها المادية البحتة. فماذا لو قلنا إن الإنسان ليس مجرد منتج للظروف بل صانع للمعنى؟ كما تناقش المؤلفة موقف سارتر حول الوجود والماهية. فسارتر يقول: “الوجود سابق على الماهية” – الإنسان يخلق نفسه من خلال حريته المطلقة. لكن المؤلفة تقترح موقفا وسطيا: المعنى موجود مسبقا بالله، لكن الإنسان مطالب باكتشافه وإثرائه. هذا موقف يوازن بين الوجودية الملحدة التي ترفض أي معنى مسبق والحتمية الصلبة التي تقول إن كل شيء محدد مسبقا. وهنا يظهر أحد أعظم الألغاز الفلسفية: كيف نجمع بين الحرية والقدر؟ بين الإرادة الإلهية وإرادة الإنسان؟ الحل الذي تقدمه الكاتبة – معيوف – هو حل عملي وحكيم: ما لا طاقة لنا برده – مثل الموت والمرض والأشياء الطبيعية – نقبله ونسميه القضاء والقدر. أما ما في وسعنا تغييره – حالتنا النفسية وأفعالنا وقراراتنا – فهذا مجال المسؤولية والحرية. الآية القرآنية تلخص هذا بعمق: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.” وكن السؤال الجريء يتبلور في قضية: العقل والروح – هل هما في صراع أبدي أم في تكامل طبيعي؟ تؤكد المؤلفة من نظرتها أنهما ليسا في صراع بل في تكامل. العقل وحده يجفف الروح ويخلف برودة وجمود. الروح وحدها تضيع في الوهم والهشاشة. الحكمة الحقيقية تكمن في التوازن. هنا تستدعي الكاتبة عماد رشاد عثمان الذي يتحدث عن القطب السالب (المنفعل الاستقبالي) والقطب الموجب (الباذل الإرسالي). اكتمالنا يحدث بمضافرة هاتين القوتين. يجب أن نسأل هنا: ما مدى قوة الاستعراض الفلسفي في هذا الكتاب؟ يبدو سريعا جدا في أحيان كثيرة، يحتاج إلى توسع ونقد أعمق لكل موقف فلسفي. الاستعارات جميلة بلا شك – الولادة، الشمس والليل، النهر، التدفق العظيم – لكن هل تقودنا دائما إلى فهم أعمق أم أنها تخدع الحس بجمالها عن الوضوح الفلسفي الدقيق؟ كذلك، الموقف من الحداثة يبدو قاسيا أحيانا. الحداثة ليست شرا محضا. لقد أنتجت تنويرا معرفيا هائلا وحررت البشرية من كثير من الأغلال الفكرية والاجتماعية. الإشكالية تكمن في أن الحداثة لم تحسب حسابا للبعد الروحي والقيمي للإنسان، لكن هذا لا يعني أننا يجب أن نرفضها كليا. قد يكون الحل أن نفكر في “حداثة روحية” – حداثة تحتفظ بإنجازاتها المعرفية والمادية لكن تدمجها مع الوعي الروحي. كذلك، حين تتحدث الكاتبة عن “الوعي المأزوم في زمن الحداثة”، ينبغي أن نسأل: أي وعي نقصد؟ أي حداثة؟ الحداثة ليست تجربة موحدة عالمية. تختلف تجربة الحداثة في الغرب عن تجربتها في العالم الإسلامي. في الغرب، الحداثة كانت عملية داخلية نمت من داخل المجتمع، بينما في العالم الإسلامي، الحداثة جاءت غالبا من الخارج كفرض وهيمنة. هذا يعني أن النقد يجب أن يكون أكثر دقة وتمييزا. أخيرا، يبدو أن التشخيص عميق جدا لكن الحلول تحتاج إلى مزيد من التفصيل والعملية. كيف بالضبط يستطيع الإنسان المعاصر أن يستعيد هذا التوازن بين الروح والعقل؟ ما الخطوات العملية؟ ما دور التربية والمؤسسات الاجتماعية؟ النص يترك هذه الأسئلة معلقة. وكيف يمكن أن يكون الرصيد الفكري، وعقلنته حتى يبلور في ضوء العاقلية طريقا نحو إعادة بناء المعنى؟ رغم كل الانتقادات، تقدم الكاتبة رؤية متماسكة لإعادة بناء المعنى الوجودي في عصر يعاني من الفراغ الميتافيزيقي وأزمة القيم وطغيان المادة. الحل المقترح يتمحور حول خمس نقاط أساسية: أولا، الوعي الحقيقي بثنائية الله والإنسان دون إلغاء أحدهما. ثانيا، البحث عن التوازن الديناميكي بين العقل والروح. ثالثا، تحمل المسؤولية كاملة عن حياتنا واختياراتنا – الحرية تعني مسؤولية. رابعا، فهم الولادة كعملية مستمرة لا كحدث واحد – نحن بحاجة للتجدد المستمر وعدم الجمود. خامسا، الاعتراف بأن البحث عن المعنى ليس بحثا عن معطى جاهز بل مهمة وجودية مستمرة. فما هي الأسئلة المفتوحة التي يتركها النص؟ تترك الكاتبة عدة أسئلة مفتوحة، ويمكن قولبتها فيما يلي: هل المعنى مكتشف أم مخترع؟ وهذا السؤال الأساسي يبقى معلقا. إذا كان مكتشفا، فهناك معنى موجود ينتظر أن نصل إليه. إذا كان مخترعا، فهذا يعني أننا أحرار تماما لكن معهم أيضا مسؤولون تماما عن خلقه. وكيف نوفق بين الحرية المطلقة والقدر؟ وهل يمكن للعقل وحده أن يصل إلى الله أم أننا بحاجة دائما لتجاوز العقل؟ وما حدود العقل بالضبط؟ وأين تبدأ الروح؟ وهل الحداثة عدو حقيقي للمعنى أم أننا بحاجة فقط لإعادة فهمها وتوجيهها نحو غايات روحية؟ هذا الكتاب في نهاية المطاف استغاثة وجودية في وجه الفراغ المعاصر. إنه صرخة من داخل الظلام يدعونا للبحث عن نور. المؤلفة – سلمى معيوف – تحاول رأب الصدع بين الفلسفة والدين، بين العقل والروح، بين الحداثة والتراث، بين الحرية والقدر. فالولادة الحقيقية – كما تفهمها الكاتبة – ليست مجرد ولادة بيولوجية. إنها ولادة إلى المعنى، إلى الوعي، إلى المسؤولية. “السر رمز لعملية الخلق والتكوين، والولادة بداية البوح.” هذه الجملة تلخص رؤية الكاتب بأكملها: نحن في حالة مستمرة من الكشف والبوح عن أنفسنا ومعنى وجودنا. فدعوة الكاتبة أن نولد ولادة حقيقية – ولادة وعي وروح وضمير – في عالم يحاول إخفات صوت هذه الولادة تحت غريب الأصوات والضوضاء والثرثرة الخاوية. أ.كمال لعرابي

شارك هذا الموضوع:

  • شارك على فيس بوك (فتح في نافذة جديدة) فيس بوك
  • المشاركة على WhatsApp (فتح في نافذة جديدة) WhatsApp
  • المشاركة على Telegram (فتح في نافذة جديدة) Telegram
  • المزيد
  • اطبع (فتح في نافذة جديدة) طباعة
  • إرسال رابط بالبريد الإلكتروني إلى صديق (فتح في نافذة جديدة) البريد الإلكتروني

معجب بهذه:

إعجاب جاري التحميل…

نُشر بواسطة rédacteur en chef KHELIFA ABDESSELEM

عرض كل المقالات حسبrédacteur en chef KHELIFA ABDESSELEM

تصفّح المقالات

السابق المقالة السابقة: الفكر بئرُ ماء والفصاحة دِلاء… بقلم أسامة عكاشة
التالي المقالة التالية: أبقى على قيد الحياة-..  قصة قصيرة بقلم فايل المطاعني

اترك تعليقاً إلغاء الرد

يجب أن تكون تم تسجيل الدخول حتى تتمكّن من نشر أي تعليق.

  • فيسبوك
  • جوجل
  • واتساب
  • تيليجرام
  • بريد

لمتابعة إصداراتنا إضغط هنا
38
38
النسخة الالكترونية 38Télécharger
رؤى نقدية - الحلقة الرابعة
بودكاست
  • نوفمبر 2026
  • أكتوبر 2026
  • سبتمبر 2026
  • أغسطس 2026
  • يوليو 2026
  • يونيو 2026
  • مايو 2026
  • أبريل 2026
  • مارس 2026
  • فبراير 2026
  • يناير 2026
  • ديسمبر 2025
  • نوفمبر 2025
  • أكتوبر 2025
  • سبتمبر 2025
  • أغسطس 2025
  • يوليو 2025
  • يونيو 2025
  • مايو 2025
  • أبريل 2025
  • مارس 2025
  • فبراير 2025
  • يناير 2025
  • ديسمبر 2024
  • نوفمبر 2024
  • أكتوبر 2024
  • سبتمبر 2024
  • أغسطس 2024
  • يوليو 2024
  • يونيو 2024
  • مايو 2024
  • أبريل 2024
  • مارس 2024
  • فبراير 2024
  • يناير 2024
  • ديسمبر 2023
  • نوفمبر 2023
  • أكتوبر 2023
  • سبتمبر 2023
  • أغسطس 2023
  • يوليو 2023
  • يونيو 2023
  • مايو 2023
  • أبريل 2023
  • مارس 2023
  • فبراير 2023
  • يناير 2023
  • ديسمبر 2022
  • نوفمبر 2022

© جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة ومضات أمل

logooooooo

© 2026 wamadhet amel

| قالب: Rowling بواسطة Anders Norén.

تحميل التعليقات...

يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.

%d