ميتا – نص/ القراءة بين الذائقة والمنهج: في تفكيك العلاقة
بقلم أ-د لونيس بن علي/ ناقد وباحث أكاديمي
من البديهيات التي نستند إليها في مقاربة هذا الإشكال المعرفي، أن قراءة العمل الأدبي تجربة مغايرة تماماً لقراءة أي خطاب آخر ينتمي إلى حقول المعرفة المختلفة؛ فهي اختلاف في طبيعة الخطاب وفي أدواته على حد سواء.للأدب خصوصية متفردة لا نجدها في الخطابات العلمية أو الدينية أو الفلسفية؛ وتكمن ميزته في كونه ينتمي إلى عالم الحساسية الفنية والجمالية، أما محاولة ربطه قسراً بعالم المنطق الصارم أو الحقيقة الإمبريقية (التجريبية) فهو ضرب من الجهل بكنهه. وهذا يستلزم بالضرورة أن تكون القراءة في هذه الخطابات متباينة بتباين غاياتها.تاريخياً، جرت محاولات لفرض المناهج العلمية على الأدب بُغية تفسيره تفسيراً موضوعياً، بتأثير مباشر من طغيان العلوم التجريبية، لكن هذا التوجه طرح مبكراً معضلة معرفية فجّرت تساؤلات جوهرية، وفتحت آفاقاً للتفكير في مدى نجاعة هذه المناهج في سبر أغوار الظاهرة الأدبية وفهم نصوصها.أسئلة مبدئيةلنبدأ من التساؤلات التالية: ما حاجة الأدب إلى المنهج لدراسته؟ وما هي قدرة المناهج على سبر أغوار الأعمال الأدبية؟ وهل ينفي المنهج ذلك البعد الذاتي والشخصي في القراءة المرتبط بذائقة القارئ؟قبل القراءةالأدب خطاب الحساسية الجمالية، يعبر عن التجارب الإنسانية في أبعادها المختلفة؛ إنه موقف جمالي من العالم، يجعلنا ننظر إلى الحياة من نافذة الخيال والعاطفة والانفعال، وكل ذلك عبر اللغة الأدبية التي تعيد تمثيل هذا العالم وفق علاقة جدلية بين الكلمات والأشياء.وكعتبة أولى، تكون علاقتنا بهذا الخطاب روحية أكثر منها عقلية، تشتبك بالذائقة أساساً؛ لأن ما يقترحه علينا الأدب —خلافاً لبقية الخطابات— هو تجربة جمالية محضة.مرتكز النقاش سيكون حول مفهوم (الذائقة)؛ وفي معاجم اللغة العربية، فالذوق هو حاسة معنوية، تختص بـ لطائف الكلِم، يصدر عنها علاقة انفعالية أولية بالكلام إما أن ترتاح له أو تنفر منه. ويقول “حمد بن حسن الصابطي” موضحا المفهوم : “التذوق في بداياته يكون أقرب إلى الطبيعة والجبلة”). يُنظر: صناعة التذوق الأدبي، ص22).الذائقة إذن هي (حاسة) تُولد في الإنسان فطرية فيه، تجعله وعلى نحو فطري قادرا على الاستشعار بالجميل أو القبيح. ما يسبق القراءةَ هو التذوق؛ وهو ذلك البعد النفسي المرتبط بالذات القارئة، وحسب قول “أرنولد بينيت” “في خيار القراءةِ يجب أخذ آراء الفرد وميوله في الحسبان، ذلك لأنّ الميول هي المؤشر الحقيقي للشخصية” (يُنظر: الذوق الأدبي كيف يتكون؟ ص62).تبدأ العلاقة إذن من لحظة الاختيار: (اختيار القارئ ما يقرأه: النوع الأدبي/ الأسلوب/ التيار الأدبي/ اللغة الأدبية)، وهي لحظة تستند بدرجة كبيرة إلى ميولاته، وشخصيته، وتكوينه، وثقافته، بل وحتى انتمائه الأيديولوجي أو الاجتماعي أو المهني.غير أنّ حصر القراءة في هذا البعد الذائقي يناسب فقط تلك القراءة الانطباعية التي تغرق في الذاتية المفرطة، فلا تُسند أحكامها إلى أي معيار تفسيري، مما يوقع الأحكام في فوضى عارمة. ومن شأن هذه الانطباعية أن تجعل الأدب مستباحاً، فيغدو عدد العابثين أكبر من عدد القراء الحقيقيين. أليس هذا ما ابتلي به الأدب في عصر وسائط التواصل الاجتماعي؟إن السائد اليوم في فضاء التعليق الأدبي هو تضخم عدد المعلقين في وقت غاب فيه المعيار النقدي الرصين. وإذا فككنا الجدالات التي تنشب حول عمل معين، نلاحظ أن الغائب الأكبر هو “المعيار النقدي”، رغم أن جميع الأطراف يدافعون عن حقهم المطلق في إبداء الرأي. وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية.الحاجة إلى المنهجلهذا السبب فرضت المناهج نفسها لوضع حد لفوضى القراءات. كانت البداية مع المناهج الوضعية —كما أسلفنا— التي اقترحت أدوات للقراءة الموضوعية، ظناً منها أن الأدب يمكن أن يخضع لمختبر التفسير؛ تارة بوصفه ظاهرة اجتماعية، وتارة بوصفه ظاهرة نفسية أو تاريخية.وعلى الرغم من أهمية الدراسات المنهجية التي صيغت من المنظور الوضعي في إرساء “المعايير”، إلا أنها حصرت الأدب في مقام الظواهر المادية القابلة للدراسة العلمية البحتة، وأهملت جوهره الفني. حتى جاءت المناهج اللغوية لتشق مجرى جديداً؛ هدفها الأساسي انتشال الأدب من غربته المعرفية، واستعادة هويته بوصفه خطاباً فنياً وجمالياً بالدرجة الأولى.صحيح أن هذه المناهج الجديدة —من الشكلانية إلى البنيوية والسيميائية— جعلت “القانون الأدبي” (الشعرية/ الأدبية) مركزاً لها، إلا أنها اتسمت أيضاً بالروح العلمية التي تهدف إلى صياغة قانون أدبي كوني. إذ لابد للتقييم الأدبي أن يمتلك خطابه البرهاني الذي يفسر الحساسية الجمالية انطلاقاً من المعيارية الجمالية للشكل الفني.إن ما قدمته هذه المناهج هو طريقة مبتكرة للقراءة ذات الهوية الأدبية الصرفة، في حين أن ما كان يُتداول سابقاً هو ضرب من القراءة غير الأدبية؛ قراءة هي أقرب إلى “استعمال الأدب” لخدمة أغراض أخرى منها إلى “تلقيه” كفن.بيد أن هذه المناهج لم تسلم هي الأخرى من النقد؛ وأبرز مآخذ النقاد عليها أنها حوّلت التلقي الأدبي إلى عملية تقنية معقدة، تُدخل القارئ في متاهة الأشكال والقواعد الجافة، بل ذهب البعض إلى وصف القراءة في ظلها بأنها مجرد لعب مع النص، وأن جميع القراءات “خاطئة”، كإشارة إلى “تفسّخ” المعيار النقدي ذاته.
