كرمٌ في أعالي الجبال- حين يزهر الرزق من قلب العطاء_

بقلم براهمية عبد السلام______

في كنف قرية جزائرية وادعة، وبين أحضان عائلة تقتات من حلال الأرض، نشأ الفتى سيف الإسلام. لم يكن بيته الصغير مجرد جدران من طين وحجر، بل كان مدرسةً غُرست في زواياها قيم العبادة، والرياضة، والأنفة. كان سيف الإسلام يرافق والده في رحلاته اليومية إلى الجبال الشاهقة، حيث يمتهن الأب جمع الحطب؛ تلك المهنة الشاقة التي لم تزد الوالد إلا صبراً ونبلاً.
ذات شتاءٍ قارس، والثلج ينسج رداءه الأبيض على القمم، خرج سيف الإسلام مع والده في عطلته المدرسية. لم يكن خروجه لمشقة العمل، بل كان لمؤنسة والده والاستمتاع بموسيقى الطبيعة وتغريد العصافير التي تكسر صمت الغابة. وبينما هما في غمرة الانشغال، اكفهرت السماء وتلبدت الغيوم، معلنةً عن عاصفة هوجاء.

وسط هذا الصقيع، ظهر من بين الضباب شيخٌ طاعن في السن، بدت عليه آثار التعب وطول السفر. اقترب الغريب بوقارٍ سائلاً قطرة ماءٍ ولقمة تسد رمقه. لم يتردد الوالد لحظة واحدة؛ فالمؤمن لا يُضيم ضيفه ولو كان به خصاصة. وبابتسامة دافئة رغم برودة الجو، اصطحبهما الوالد إلى منزله المتواضع.
مائدة الإيثار
نادى الأب زوجته بلهفة الكريم: “يا أم سيف الإسلام، أعدي خير ما عندنا لضيفنا، وجهزي له زاداً يعينه على بقية رحلته”. جلس الشيخ العجوز، وكانت ملامحه تشي بوقارٍ يفيض عن كونه مجرد عابر سبيل. دار حديثٌ ماتع بين المضيف وضيفه، سأله الشيخ عن حاله، وعن دراسة ابنه سيف الإسلام، وعن كدحه في الجبال. كان الأب يجيب برضا القانع، وصبر الشاكر.

قدم سيف الإسلام الطعام للضيف بيده الصغيرة، متعلماً درس الكرم الصامت. وحين همَّ الشيخ بالرحيل، ألح عليه الوالد بالمبيت اتقاءً لبرد الليل، لكن الشيخ اعتذر بوقار، شاكراً تلك الحفاوة التي لا تُباع ولا تُشترى، ومضى في حال سبيله.
مفاجأة الفجر
مع أولى خيوط الفجر، خرج والد سيف الإسلام متوجهاً إلى المسجد، فتعثرت قدماه بكيسٍ متين مربوطٍ بعناية عند العتبة. فتحه بوجل، فإذا ببريق الذهب يملأ عينيه! وبجانبه ورقة كُتب عليها بخطٍ بديع :

أنا الشيخ الذي أكرمته بالأمس.. لقد وجدتُ في بيتك كنزاً من الأخلاق، فأحببتُ أن أترك لك كنزاً من الدنيا. كنتَ بسيطاً في عيشك، عظيماً في كرمك، وهذا جزاء الإحسان.”

اندهش الأب، وتملكته الحيرة، فتوجه إلى إمام المسجد يقص عليه الخبر. ابتسم الإمام وقال بحكمة: “يا بني، هذا رزقٌ ساقه الله إليك بصدق نيتك. الكرم محطة من محطات الرزق، وعملك الصالح هو الذي استنزل بركات السماء.”

الثمرة الناضجة
مرت السنون، وكبر سيف الإسلام، وأصبح مهندساً يشار إليه بالبنان في كبرى الشركات. لكنه لم ينسَ قط ذلك الدرس الشتوي في أعالي الجبال. ظل يفتح قلبه وبيته لعابري السبيل، مدركاً أن الذهب الحقيقي ليس الذي وجده والده في الكيس، بل هو بذرة الكرم التي غُرست في روحه منذ نعومة أظافره.

إن صفات الجود ومساعدة الفقير ليست مجرد سلوك اجتماعي، بل هي مفاتيح لأبواب الرزق التي لا تنفد. علموا أطفالكم أن اليد المعطاة هي اليد التي لا تفتقر أبداً، وأن صاحب المعروف فالحٌ في الدنيا، وغانمٌ في الآخرة.