في مديح الشتات: مرثية الكائن المتمرد_____
بقلم أ.عبد العالي لعجايلية________

تائهٌ أنا… لكن ليس ذلك التيه الذي يعرفه العابرون حين تضيع منهم الطرق، بل تيهٌ أعمق، كأن الكينونة نفسها فقدت بوصلة المعنى، ولم تعد تعرف إلى أي جهة تميل. لستُ ضائعًا في المكان، بل ضائعٌ في سؤال المكان ذاته: لماذا يكون للوجود شكلٌ أصلاً، إذا كان الداخل بلا هيئة؟
أجدني عالقًا بين عقارب زمنٍ غريب، لا يمضي إلى الأمام كما تظن الأشياء، بل يلتفّ حولي كأنّه يُحكم قبضته على عنقي بصبرٍ بارد. زمنٌ لا يشيخ، بل يُعيد إنتاج العجز في كل لحظة، كأنه لا يريد لي أن أصل، بل أن أظل في حالة اقترابٍ لا تكتمل. هناك، في تلك المنطقة الرمادية بين البدء والانطفاء، يحتدم الصراع الخفي بين عقلٍ مثقلٍ بأسئلةٍ لا تهدأ، وذاتٍ تتآكل من فرط بحثها عن شكلٍ يمكن أن تسكنه دون أن تتشظى.
أفي يقينٍ أنا أم في سرابٍ مقيم؟
سؤالٌ لا يأتي كفكرة، بل كجرحٍ مفتوح يرفض أن يلتئم. لقد انمحَت الحدود بين ما يُسمّى واقعًا وما يُسمّى حلمًا، حتى غدت الأشياء تتبادل أدوارها دون إذن، وكأن العالم نفسه فقد جدّيته القديمة وبدأ يتهكّم على وجوده.
صرتُ غريبًا في عقر داري، لا لأن المكان تغيّر، بل لأنني أنا الذي لم أعد أستطيع التعرف إلى نفسي داخله. هل أنا “أنا” فعلًا؟ أم أنني مجرد أثرٍ لفكرةٍ لم يكتبها أحد، لكنها استقرت فيّ كظلٍّ لا يفارق جسدي؟
لقد عجزت المفاهيم التي راكمها عقلي عبر السنين عن تفسير هذه الرجفة الداخلية التي تشبه انكسارًا صامتًا في بنية المعنى. وذابت القناعات التي كانت يومًا تبدو كحصونٍ منيعة، كأنها لم تكن سوى جليدٍ صُلب أمام شمس السؤال الأول. كلما ظننت أنني اقتربت من تخوم الفهم، تراجع الأفق أكثر، لا ليهرب، بل ليذكّرني أن الوصول ليس جزءًا من الخطة.
أنا الآن شظايا كائنٍ كان يظن أنه واحد.
لسـتُ كيانًا مكتملًا، بل بقايا انفجارٍ داخلي لم يهدأ أثره بعد. أجزائي مبعثرة في جهاتٍ لا أعرفها: جزءٌ ما زال عالقًا في طفولةٍ لم تُغلق أبوابها، وجزءٌ تاه في زمنٍ بلا ملامح، وجزءٌ آخر يتقاطع مع وجوهٍ مررت بها دون أن أمتلك الشجاعة للاعتراف بأنها أخذت شيئًا مني.
أقف خارج نفسي أحيانًا، كأنني أراقب حياة شخصٍ يشبهني دون أن يكون لي الحق في التدخل فيها. أرى ذلك “المتمرد” في داخلي، وهو يحاول أن ينسلّ من النصوص المرسومة له مسبقًا، أن يبصق على الأدوار التي لم يخترها، أن يرفض أن يكون نسخةً من احتمالٍ كتبته الصدفة أو أملته الضرورة.
لكن التمرد ذاته يبدو أحيانًا كأنه شكلٌ آخر من السجن… سجنٌ أكثر وعيًا، لكنه لا يقلّ قسوة.
أكافح بكل ما تبقّى من حيرتي لأخرج من هذه البوتقة التي تحاصر جوهري. تلك القوالب الجاهزة التي لا تكتفي بتشكيل الملامح، بل تحاول إعادة صياغة الداخل نفسه، كأنها تريد أن تجعلني قابلًا للحياة داخل تعريفٍ مسبق. أشعر أحيانًا أنني ملفوفٌ بكفنٍ شفاف، لا يُخفي جسدي، بل يُخفي احتمالاتي.
وفي غمرة هذا الانكسار، يصرخ الجرح في أعماقي بصوتٍ لا يُسمع، بل يُحَسّ:
هل وجودي حقيقةٌ تُمسك باليد؟ أم أنني مجرد اهتزازٍ عابر في ذاكرة كونٍ لا يعنيه أن أتذكر نفسي؟
لقد تجاوزتُ مرحلة الاكتراث بوجودي المادي، فالجسد لا يعود سؤالًا حين يصبح الفناء فكرةً مقيمة في الخلفية. ما يستبدّ بي ليس “كيف أعيش”، بل “لماذا أكون أصلًا”.
إنه ذلك السرّ الذي لا يُقال: سرّ الوجود.
ذلك الوميض الذي يجعلني، في هذا الامتداد الكوني، أشبه بظلٍّ يبحث عن مصدر ضوئه دون أن يعرف إن كان الضوء قد وُجد أصلًا.
أتحرك فوق الأرض، لكنني لا أترك أثرًا يليق باليقين. كأنني احتمالٌ أكثر مني كائن. أكون ولا أكون، في آنٍ واحد، كما لو أنني معلق بين جملتين لم تكتمل أيٌّ منهما.
أنا صرخةٌ لم تجد أذنًا تتسع لها، ونقشٌ يحاول أن يخلّد نفسه على سطح زمنٍ يتقن المحو أكثر مما يتقن الحفظ. وكلما اقتربت من فكرة “الاكتمال”، أدركت أن الاكتمال ذاته ربما ليس إلا وهمًا آخر من أوهام الوعي حين يتعب من التشتت.
وفي النهاية…
ربما لا أكون متمردًا كما أظن، بل مجرد أثرٍ لكائنٍ حاول أن يفهم، ففقد نفسه في طريق الفهم.
أو ربما… أنا لست شظايا كما أرى، بل شكلٌ لم يكتمل بعد، ينتظر لحظة لم تأتِ، ولن تُعرَف إلا حين تصير هي أنا، أو أصير أنا غيابها.
ويبقى السؤال معلّقًا كجرحٍ لا يندمل:
هل الشتات لعنة الكائن… أم طريقه الوحيد إلى أن يكون؟
