بقلم أ.عبد العالي لعجايلية_
لم يكن الأدب العظيم يوما مجرد مرآة تعكس وقائع عصرها، بل كان في كثير من الأحيان عينا تستبق الكارثة، وتلتقط الشروخ الخفية في روح الإنسان قبل أن تتحول إلى انهيار شامل. ولهذا لم يبدُ دوستويفسكي كاتباً منشغلاً بحكايات البؤساء فحسب، بل بدا كمن كان ينصت مبكرا إلى الأنين المكتوم لحضارة ستجعل الإنسان غريبا داخل حياته نفسها.
لم يكن يكتب عن العمل بوصفه فعلا اقتصاديا عاديا، بل بوصفه لحظة استنزاف وجودي، حين يتحول الجهد إلى قيد، والوظيفة إلى طقس يومي تُذبح فيه الروح ببطء. لقد فهم أن المأساة الحقيقية لا تبدأ حين يجوع الجسد، بل حين يُدفع الإنسان إلى مقايضة عمره كله مقابل حقه البدائي في النجاة.
في قصته القصيرة «العذبة» العذبة، يورد دوستويفسكي إعلان فتاة تبحث عن عمل دون أن تطلب أجرا، مكتفية بلقمة تسد بها جوعها. وما بدا آنذاك مشهدا «خياليا» صار اليوم صورة مألوفة في عالم يزداد قسوة، حيث لم يعد كثير من الناس يعملون ليحققوا ذواتهم، بل ليؤجلوا انهيارهم الداخلي يوما آخر.
غير أن المأساة لم تعد مقتصرة على ضآلة الأجور، بل تجاوزتها إلى شكل أكثر تعقيدا من العبودية الحديثة؛ عبودية ناعمة يرتدي فيها الاستغلال ربطة عنق، ويتخفى القهر خلف لغة إدارية براقة. صار الإنسان في كثير من المؤسسات يُعامل كترس في آلة ضخمة، لا ككائن يحمل هشاشته وأحلامه وحقه في الكرامة.
ولعل أخطر ما أنتجته الحضارة الاستهلاكية الحديثة أنها لم تعد تقيس الإنسان بما هو عليه، بل بما ينتجه ويستهلكه. وهكذا غدا العمل، الذي كان يفترض أن يكون فضاء لتحقيق الذات، مجرد آلية للبقاء داخل نظام يلتهم أعمار الناس بهدوء، ثم يقنعهم أن هذا الاستنزاف هو المعنى الطبيعي للحياة.
لهذا لم يكن دوستويفسكي متشائما عبثا، بل كان يرى مبكرا التشققات العميقة في جدار الحداثة، ويدرك أن الإنسان حين يفقد شغفه ومعناه الداخلي، يتحول تدريجيا إلى كائن يؤدي وظائفه بدقة، بينما تتآكل روحه في صمت.
وربما لم يكن وصفه لقصته بأنها «خيالية» مجرد سخرية أدبية، بل نبوءة مبطنة عن عالم قادم، عالم سيبلغ فيه الإنسان درجة من الإنهاك تجعله مستعدا للتخلي عن أحلامه مقابل فتات الأمان. فبعض النصوص لا تكون خيالية لأنها بعيدة عن الواقع، بل لأنها تصل إلى الحقيقة قبل الجميع.
ويبقى السؤال معلقا فوق هذا العصر اللاهث: هل يستطيع الإنسان أن ينتزع نفسه من طاحونة الاستنزاف الحديثة، أم أنه سيواصل إطعام الآلة من عمره، حتى يكتشف متأخرا أنها كانت، طوال الوقت، تلتهمه هو؟
