المسألة لم تعد مرتبطة بذائقة لجنة تحكيم ولا بخلاف حول جودة رواية أو هشاشة أخرى؛ هذه المرة السؤال أبسط وأخطر بنفس الوقت- هل تحترم جائزة آسيا جبار النظام الذي وضعته بنفسها؟
فالموقع الرسمي للجائزة لا يدع المسألة للاجتهاد، إذ ينص ضمن شروط الطبعة الثامنة على أن الرواية المشاركة يجب أن تكون أصلية ولم يسبق نشرها وكذلك أن تكون قد نُشرت لأول مرة من طرف دار نشر جزائرية- شرط واضح لا يحتاج إلى تأويل نقدي ولا إلى فلسفة قانونية
لكن المفارقة تبدأ عندما نجد رواية “أعراش الدم” لكاتبها حسين علام ضمن الاختيار الرسمي للجائزة باسم دار خيال للنشر والترجمة والعنوان يحجز مكانه بالقائمة القصيرة، بينما تكشف البيانات الببليوغرافية المتاحة للرواية نفسها أنها منشورة سابقاً باسم دار صفصافة للنشر والتوزيع، وتحمل الرقم الدولي 9789778215052، وتوثق Google Books إصدارًا لها عن صفصافة سنة 2025 من جهة .. ومن جهة لازالت موثقة بصفحات الدار على موقعها الرسمي، وصفصافة ليست داراً جزائرية وإنما دار نشر مصرية مقرها الجيزة
هنا يتوقف النقاش الأدبي ويبدأ السؤال الإداري والأخلاقي
إذا كانت هذه البيانات صحيحة، فكيف اجتازت الرواية مرحلة التحقق من الأهلية أصلًا؟ من راجع ملفها!؟ وهل اعتُبرت الطبعة الجزائرية “طبعة أولى” رغم وجود إصدار سابق يحمل العنوان نفسه واسم المؤلف نفسه ورقماً دولياً موثقاً لدى ناشر مصري؟ وإذا كان للجائزة تفسير آخر، فلماذا لا تعلنه بوضوح!؟
الأخطر أن المشاركة وفق النظام المنشور لا تتم عشوائياً، بل عن طريق دور النشر، وتُرفق بملف رسمي ونسخ من الكتاب وبياناته. أي أننا لسنا أمام تفصيل صغير اختبأ في هامش مخطوط ولكننا أمام معلومة يفترض أن تكون من أول الأشياء التي تُفحص قبل أن تصل الرواية أصلاً إلى يد المحكم
فما معنى أن نضع شروطاً للمتسابقين إذا كان بعضها قابلاً للسقوط بمجرد الوصول إلى الكواليس!!
وهنا تفرض الشفافية أسئلة لا يجوز الهروب منها- هل طُبقت الشروط على جميع الأعمال بالصرامة نفسها؟! هل خضعت بيانات النشر والإيداع القانوني والطبعات السابقة للتحقق؟! هل لدى اللجنة أو إدارة الجائزة وثيقة تثبت أن الطبعة الجزائرية هي النشر الأول فعلاً؟ وهل توجد آلية معلنة للإفصاح عن أي علاقة مهنية أو شخصية قد تضع عضواً من أعضاء التحكيم في حالة تضارب مصالح مع كاتب أو ناشر؟
هذه الأسئلة لا تعني اتهام حسين علام بأنه استفاد من علاقة خفية ولا يجوز اختراع علاقة لا نملك دليلاً عليها.. لكنها تعني شيئاً أكثر جوهرية- حين تفشل المؤسسة في تفسير استثناء ظاهر من قواعدها، فإنها هي من تفتح الباب أمام الشكوك والشائعات وأسئلة الكواليس- والشفافية لا تكون بطلب الثقة من الجمهور وإنما بتقديم الوثيقة التي تجعل الشك غير ضروري
والمشهد يعيد إلى الذاكرة الضجة التي أعقبت فوز رواية “هوارية” لإنعام بيوض في الدورة السابعة سنة 2024، وإن كان من الواجب التمييز بين الحالتين- الجدل حول “هوارية” كان في جانب كبير منه خلافاً حول المحتوى واللغة والقيمة الأدبية وحدود الجرأة، بينما القضية المطروحة اليوم.. إذا ثبتت بيانات النشر السابقة لـ”أعراش الدم” تتعلق بشرط إجرائي مكتوب يمكن التحقق منه بوثيقة ورقم إيداع وتاريخ نشر.. وقد أثار فوز “هوارية” آنذاك نقاشاً واسعًا وصل إلى وسائل إعلام عربية عدة
وهذا الفارق يجعل السؤال الحالي أكثر إحراجاً، لا أقل.
فاللجنة تستطيع أن تقول إن هذه الرواية أجمل من تلك، وإن معيارها الفني مختلف عن ذائقة الجمهور؛ ذلك يدخل في سلطة التحكيم.. لكنها لا تستطيع أن تجعل تاريخ النشر مسألة ذوق- الرواية إما نُشرت سابقاً خارج الجزائر أو لم تُنشر.. هنا لا توجد استعارة ولا قراءة مفتوحة
ثم إن القضية لا تخص رواية واحدة ولا كاتباً واحداً، إنها تخص عشرات الروائيين ودور النشر التي دخلت المسابقة وهي تفترض أن الشروط التي قُدمت إليها ليست ديكوراً إدارياً، فمن حق كل من استُبعد عمله، ومن حق كل من التزم حرفيًا بالنظام، أن يعرف- هل كان يلعب داخل المسابقة نفسها، أم أن هناك شروطاً معلنة للجميع وشروطاً أخرى تتحرك في الظل!!
الجائزة التي تحمل اسم آسيا جبار أكبر من أن تُدار بمنطق “مرّروا الأمر ولن ينتبه أحد” وهي جائزة تقدم نفسها رسمياً باعتبارها قائمة على الاستقلالية والشفافية والحياد.. لذلك فإن أقل ما يُنتظر الآن ليس الصمت، بل بيان واضح يجيب عن سؤال واحد لا يحتاج إلى بلاغة-
كيف قُبلت “أعراش الدم” في المسابقة إذا كانت قد صدرت قبل الطبعة الجزائرية عن دار نشر مصرية؟
فإن كانت هناك معلومة تنفي ذلك، فلتُنشر
وإن كان النظام يسمح بإعادة النشر بعد طبعة أجنبية، فليُبرز النص الذي يسمح بذلك
وإن كان خطأً إدارياً، فلتملك المؤسسة شجاعة الاعتراف به وتصحيحه
أما أن تبقى الشروط منشورة على واجهة الجائزة، بينما توحي الوقائع المتاحة بأن ما يجري خلف الواجهة شيء آخر، فهنا لا يعود السؤال- من سيفوز بجائزة آسيا جبار؟
بل يصبح السؤال الأكثر قسوة-
ما الذي يجري فعلاً في أقبية جائزة آسيا جبار؟!
رابط ڨوڨل بوك -أين توجد النسخة الخاصة بدار صفصافة للنشر
رابط الموقع الرسمي لدار صفصافة للنشر أين توجد النسخة





